فهرس الكتاب
على الْحُكْمِ مِنْ كتابٍ أوْ سُنَّةٍ، كيفَ كانتْ دَلالتُهُ؛ نَصًّا كانَ أوْ ظاهرًا أوْ مُؤَوَّلًا. وهكذا استعمالُ أهلِ الخِلافِ أيضًا، وأهلُ الأُصُولِ يَقولونَ: النَّصُّ ما لا يَحْتَمِلُ الصرْفَ ممَّا دَلَّ عليهِ بوَجْهٍ، وهذا هوَ الذي ذَكَرَهُ هنا.
(وقيلَ: ما تَأْوِيلُهُ تَنزيلُهُ) : هذا رَسْمٌ للنصِّ وفيهِ تَجَوُّزٌ؛ فإنَّ التأويلَ تَفْعِيلٌ مِنْ آلَ إلى كذا؛ أيْ: صارَ إليهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ ذلكَ إلَّا في لفظٍ يَحتاجُ استنباطُ دَلالتِهِ إلى نَظَرٍ وتَكَلُّفٍ، فأمَّا ما أنْ يكونَ بَيِّنًا بنفسِهِ بحيثُ يَكْفِي في فَهْمِهِ مُجَرَّدُ نُزُولِهِ، فلا تَأويلَ فيهِ، وإنَّما قَصَدَ مُخْتَارُ هذا الرسْمِ تَقْفِيَةَ الكلامِ، فحَسَّنَ اللفظَ بما أَفْسَدَ بهِ المعنى.
وقولُهُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن الْمِنَصَّةِ، تقريبٌ؛ فإنَّ الْمِنَصَّةَ في التحقيقِ مُشتَقَّةٌ مِن النَّصِّ؛ فإنَّهُ الْمَصدرُ. والمِنَصَّةُ مِفْعلَةٌ، اسمٌ للآلةِ التي تُنَصُّ عليها العَروسُ؛ أيْ: تُرْفَعُ لِتَظْهَرَ للناظرينَ. وأَصْلُ الكلمةِ كما ذَكَرْنا الرفْعُ. ومِثالُ النَّصِّ: قولُهُ تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، فهذا لا يَحْتَمِلُ ما عدا العَشرةَ. وكذلكَ أسماءُ الأعدادِ، مِثلُ: الثلاثةِ والخمسةِ ونحوِها، نَصٌّ فيما دَلَّتْ عليهِ لا يَحْتَمِلُ غيرَهُ.
(والظاهرُ ما احْتَمَلَ أمرَيْنِ أحدُهما أَظْهَرُ مِن الآخَرِ)
يعني: إذا حُمِلَ على طَرَفِهِ الراجحِ، فالظاهِرُ في الحقيقةِ هوَ الاحتمالُ الراجحُ مِن احتمالَي النصِّ واحتمالاتِهِ. أمَّا النصُّ أو اللفظُ الذي يَحْتَمِلُ وُجوهًا مِن المعنى وبعضُها أَظْهَرُ مِنْ بعضٍ، فلا يُقالُ لهُ: ظاهرٌ، إلَّا إذا استُعْمِلَ في الاحتمالِ الظاهرِ، فإن استُعْمِلَ في الاحتمالِ المَرْجُوحِ كانَ مُؤَوَّلًا، فإنْ أُطْلِقَ عليهِ اسمُ الظاهرِ كما ذَكَرَهُ في الكتابِ كانَ مَجَازًا؛ فإنَّهُ أُطْلِقَ عليهِ لأنَّهُ الغالِبُ مِن النَّصِّ أو اللفْظِ. كذلكَ أنْ يُحْمَلَ على الطَّرَفِ الراجحِ، وحَمْلُهُ على المرجوحِ نادرٌ، فتَسميتُهُ ظاهرًا مِنْ بابِ تَسميَةِ الشيءِ باسمِ ما يُلازِمُهُ كثيرًا. ورُبَّما قِيلَ: إنَّ هذا الرسْمَ الذي ذَكَرَهُ للظاهِرِ مُسْتَدْرَكٌ كما استَدْرَكَ قَوْلَهُ: الظنُّ تَجويزُ أَمرَيْنِ.
(ويُؤَوَّلُ الظاهرُ، ويُسَمَّى الظَّاهِرُ بالدَّليلِ) .
تَقَدَّمَ أنَّ معنى التأويلِ: التصييرُ. فمعنى أوَّلَ النصَّ على كذا حَمَلَهُ عليهِ وصُيِّرَ إليهِ، فإذا صُرِفَ اللفظُ عنْ ظاهرِهِ بدليلٍ مُنفصِلٍ مُنِعَ مِنْ حَمْلِهِ على الظاهرِ، مِثلُ قولِهِ تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ، ظاهرُهُ جَمْعُ يَدٍ، وذلكَ مُحالٌ في حَقِّ اللَّهِ تعالى، فصُرِفَ إلى معنى القوَّةِ بالبُرهانِ العقليِّ. كذلكَ قولُهُ تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ، ظاهرُهُ تحريمُ مَتروكِ التسميَةِ، فأوَّلَهُ الشافعيَّةُ بدليلٍ آخَرَ عندَهم بالحَمْلِ على ما ذُكِرَ عليهِ اسمُ الشُّركاءِ فذُبِحَ لغيرِ اللَّهِ تعالى. وهذهِ الآيَةُ على قولِ الْحَنفيَّةِ مِنْ قِسْمِ الظاهرِ، وعلى قولِ الشافعيَّةِ مِنْ قِسْمِ الْمُؤَوَّلِ.
وفي [بعضِ] النُّسَخِ بعدَ الظاهرِ والمؤَوَّلِ: (والعمومُ قدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ) . ولا حاجةَ إلى ذِكْرِ العمومِ هنا، إلَّا أنْ يُريدَ أنَّ العامَّ دَلالتُهُ مِنْ بابِ الظاهِرِ، وقدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، ولكنَّ العبارةَ قاصرةٌ عنْ هذا.
(الأفعالُ: فِعْلُ صاحبِ الشريعةِ لا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ على وجهِ القُربةِ والطاعةِ، فإنْ دلَّ دليلٌ على الاختصاصِ يُحْمَلُ على الاختصاصِ، وإنْ لمْ يَدُلَّ لا يَخْتَصَّ بهِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، فيُحمَلُ على الوُجوبِ عندَ بعضِ أصحابِنا. ومِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: يُحْمَلُ على النَّدْبِ. ومِنهم مَنْ قالَ: يُتَوَقَّفُ فيهِ، فإنْ كانَ على وَجْهٍ غيرِ وَجْهِ القُربةِ والطاعةِ، فيُحْمَلُ على الإباحةِ) .
صاحبُ الشريعةِ: هوَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ. والقصْدُ مِنْ هذا الفصْلِ الكلامُ على أفعالِهِ وبيانُ حُكْمِها. أفعالُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ ما كانَ منها على سبيلِ القُربةِ، إذا عُلِمَ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ اختصاصُهُ بالنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، مِثلُ: الوِصَالِ في الصوْمِ، حُمِلَ على الاختصاصِ، فإنْ لمْ يُوجَدْ دَليلُ اختصاصٍ، مِثلُ: تَهَجُّدِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، فهوَ مَحمولٌ على التشريعِ. واختُلِفَ فيهِ، فقيلَ: إنَّهُ للوُجوبِ كأقوالِهِ، واحْتُجَّ على ذلكَ بقولِهِ تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .