الصفحة 26 من 53

وقيلَ: يُحْمَلُ على الندْبِ؛ لأنَّ الأفعالَ لا صِيغةَ لها، فنَزَلَتْ على أقَلِّ مَراتِبِ الطلَبِ وهوَ النَّدْبُ. وقيلَ: يُتَوَقَّفُ فيها حتَّى يُعْلَمَ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ ما يُحْمَلُ عليهِ مِنْ إيجابٍ أوْ نَدْبٍ. ومِن الدليلِ على وُجوبِ التَّأَسِّي بأفعالِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مُبادَرَةُ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم إلى ذلكَ؛ فإنَّهُم وَاصَلُوا لَمَّا واصَلَ، وخَلَعُوا نِعالَهم في الصلاةِ لَمَّا خَلَعَ نَعْلَيْهِ في الصلاةِ، وحَلَقُوا رُءُوسَهم لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ في الْمَوْسِمِ. وأمَّا أفعالُهُ عليهِ السلامُ العاديَّةُ؛ مِثلُ: الأكْلِ والشرْبِ والنومِ ونحوِ ذلكَ، فإنَّهَا تَحتمِلُ الإباحةَ؛ فإنَّ ذلكَ أَقَلُّ مَراتبِ أفعالِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ.

(وإقرارُ صاحبِ الشريعةِ على القولِ هوَ كقولِ صاحبِ الشريعةِ، وإقرارُهُ على الفعلِ كفِعْلِه)

لا يَجوزُ مِن الشارعِ عليهِ السلامُ إقرارُ أحَدٍ على الخطأِ؛ فإنَّ ذلكَ تأخيرٌ للبيانِ عنْ وَقْتِ الحاجةِ، وذلكَ لا يَجوزُ؛ فلهذا قُلْنَا: إقرارُهُ على القولِ كقولِهِ، مِثلُ إقرارِهِ عليهِ السلامُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ على قولِهِ إعطاءَ السَّلَبِ. وإقرارُهُ على الفعْلِ كإقرارِهِ خالدَ بنَ الوليدِ على أَكْلِ الضَّبِّ.

(وما فُعِلَ في وَقْتِهِ في غيرِ مَجْلِسِهِ وعَلِمَ بهِ ولمْ يُنْكِرْهُ فحُكْمُهُ حُكْمُ ما فُعِلَ في مَجْلِسِهِ) .

مِثالُ ذلكَ: أنَّهُم كانوا يَقولونَ: أَفْضَلُ الناسِ أبو بكرٍ وعُمَرُ بعدَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وبَلَغَ ذلكَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فلمْ يُنْكِرْهُ. ومِثلُ: عِلْمِهِ عليهِ السلامُ بِحَلِفِ أبي بكرٍ أنَّهُ لا يَأكُلُ الطعامَ لِغَيْظِهِ، ثمَّ أَكَلَ لَمَّا رأى الأَكْلَ خَيرًا، فعُلِمَ أنَّ اليمينَ إذا كانتْ على أَمْرٍ وكانت الْمَصلحةُ في نَقْضِها كانَ ذلكَ أَوْلَى.

(وأمَّا النسْخُ: فمعناهُ الإزالةُ، يُقالُ: نَسَخَت الشمْسُ الظلَّ، إذا أَزالَتْهُ ورَفَعَتْهُ، وقيلَ: معناهُ النقْلُ، مِنْ قولِهم: نَسَخْتُ ما في هذا الكتابِ؛ أيْ: نَقَلْتَهُ. وحَدُّهُ الخِطابُ الدَّالُّ على رَفْعِ الْحُكمِ الثابتِ بالخطابِ الْمُتَقَدِّمِ على وَجْهٍ لولاهُ لكانَ ثابتًا معَ تَراخيهِ عنْهُ) .

ذَكَرَ أصلَ النسْخِ في اللغةِ، وأَصْلُهُ الإزالةُ والرفْعُ، يقولُ: نَسَخَت الرياحُ آثارَ القومِ، ونَسَخَت الشمسُ الظلَّ. ويُسْتَعْمَلُ في معنى النقْلِ، يُقالُ: نَسَخْتُ ما في هذا الكتابِ؛ أيْ: نَقَلْتَهُ. واختلَفُوا في جِهةِ استعمالِهِ في النقْلِ، فقِيلَ: هوَ حقيقةٌ في الإزالةِ وحقيقةٌ في النقْلِ، فيكونُ مُشْتَرَكًا بينَهما. وهذا ظاهرُ كلامِهِ هنا، وقيلَ: هوَ حقيقةٌ في الإزالةِ مَجازٌ في النقْلِ، وهذا اختيارُ أبي الْحُسينِ البَصْرِيِّ. دَليلُ القولِ الأوَّلِ: أنَّهُ استُعْمِلَ في الْمَعنييْنِ، والأصْلُ في إطلاقِ الحقيقةِ. ودليلُ أبي الْحُسينِ: أنَّ الاشتراكَ على خِلافِ الأصلِ، وإذا تَعارَضَ الاشتراكُ والْمَجازُ كانَ الْمَجازُ رَاجحًا، ووَجَبَ المصيرُ إليهِ. وفي التَّمَسُّكِ بقولِهم: نَسَخْتُ الكتابَ، على أنَّ النسْخَ بمعنى النقْلِ، نَظَرٌ؛ فإنَّ نَسْخَ الكتابِ ليسَ نَقْلًا في الحقيقةِ، إنَّما هوَ إيجادُ مِثْلِ ما في الكتابِ في مَكانٍ آخَرَ. وقولُهُ: (أيْ: أَزَالَتْهُ ورَفَعَتْهُ) ، الإزالةُ والرفْعُ بِمَعْنًى واحدٍ، وإنَّما جازَ عَطْفُ أحَدِهما على الآخَرِ لاختلافِ اللفظِ، كما قالَ:

وأَلْفَى قوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا

واختلَفَ الأُصوليُّونَ في حَدِّ النسْخِ، فقالَ قومٌ مِن المعتزِلةِ: إنَّهُ انتهاءُ مُدَّةِ الْحُكْمِ. والذي اختارَهُ القاضي أبو بكرٍ هوَ هذا الرسْمُ المذكورُ هنا. وقولُهُ: (وحَدُّهُ) ؛ يَعْنِي: حَدُّ النسْخِ شَرْعًا. فأمَّا ما قَدَّمَهُ مِن النَّسْخِ اللُّغويِّ فليسَ هذا هوَ حَدَّهُ، ولكنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أنَّ مَقصودَ كلامِهِ بيانُ النسْخِ الشرعيِّ جازَ إعادةُ الضميرِ إليهِ. وقولُهُ: (الخِطابُ الدَّالُّ على رَفْعِ الْحُكْمِ) ، فيهِ احْتِرَازٌ مِنْ إخراجِ شيءٍ مِن الْخِطابِ بدَليلِ العقلِ، مِثلُ قولِ القائلِ: رَأَيْتُ الناسَ، فإنَّهُ يُعْلَمُ عقلًا أنَّ كلامَهُ ليسَ على ظاهِرِهِ؛ فإنَّهُ لمْ يَرَ القُرونَ الماضيَةَ، ولا رَأَى مَنْ يُسْتَخْلَفُ، ولا رأى مِمَّنْ رَآهُ كُلَّ شيءٍ، فخُروجُ هذا عنْ كلامِهِ لا يُسَمَّى نَسْخًا. وكذلكَ مَنْ يَمُوتُ قَبلَ مُضِيِّ وقتِ الصلاةِ إذا تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِها وقُلْنَا لا يَعْصِي بذلكَ، فقدْ سَقَطَ عنهُ وُجوبُها بالموتِ، وليسَ ذلكَ نَسْخًا؛ لأنَّ جميعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت