فهرس الكتاب
ذلكَ لمْ يكُنْ بخِطابٍ. وقولُهُ: (الْحُكْمُ الثابتُ بالخِطابِ) ، فيهِ احْتِرَازٌ عمَّا غَيَّرَتْهُ النصوصُ مِنْ حُكْمِ البراءةِ الأصليَّةِ؛ فإنَّ ذلكَ لمْ يكُنْ بخِطابٍ، ولوْ كانَ ذلكَ نَسْخًا كانت الشريعةُ كُلُّها نَسْخًا؛ فإنَّ الصلاةَ والصومَ والفرائضَ كُلَّها على خِلافِ البراءةِ الأصليَّةِ.
وقولُهُ: (على وَجْهٍ لَوْلاهُ لكانَ ثابِتًا) ، فيهِ احترازٌ عمَّا لوْ كانَ الخِطابُ الأوَّلُ مُغَيًّا بغايَةٍ أوْ مُعَلَّلًا بمعنًى، ثمَّ وَرَدَ خِطابٌ آخَرُ ببُلوغِ تلكَ الغايَةِ أوْ زَوالِ ذلكَ المعنى؛ فإنَّ هذا الثانِيَ يَرْفَعُ حُكْمَ الأوَّلِ، ولكنْ لا على وَجْهٍ لولاهُ لكانَ ثابِتًا، بلْ لوْ لمْ يَرِد الخِطابُ الثاني كانَ الحُكْمُ غيرَ ثابتٍ؛ لبُلوغِ غَايَتِهِ وزَوالِ مَعناهُ. ومِثالُ ذلكَ قولُهُ تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} معَ قولِهِ تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} ، فتحريمُ البيعِ مُغَيًّا بانقضاءِ الْجُمُعَةِ، فلا يُقالُ: إنَّ قولَهُ تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} نَسَخَ تحريمَ البيعِ، بلْ بَيَّنَ غايَةَ التحريمِ إلى متى هيَ. وكذلكَ قولُهُ تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، لا يُقالُ: نَسَخَهُ قولُهُ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ؛ لأنَّ الإحرامَ معنًى أوجَبَ التحريمَ، فإذا زالَ زالَ التحريمُ. وقولُهُ: (معَ تَراخيهِ عنْهُ) ، احترازٌ مِن التقييدِ بالصفةِ والشرْطِ والاستثناءِ؛ فإنَّ ذلكَ يكونُ مُتَّصِلًا ولا يَنْفَصِلُ، بخِلافِ النسْخِ؛ فإنَّهُ يكونُ مُنْفَصِلًا. واحتَجَّ أصحابُنا على بُطْلانِ قولِ الْمُعتزِلَةِ: إنَّ النسْخَ (انتهاءُ مُدَّةِ الْحُكْمِ) ، بأنَّ النسخَ في اللغةِ الإزالةُ والنقْلُ، وانتهاءُ الْمُدَّةِ ليسَ فيهِ شيءٌ مِن الإزالةِ ولا مِن النقْلِ. وهذا ضَعيفٌ، فإنَّ حاصلَهُ النظَرُ إلى معنى النسْخِ في اللُّغَةِ، ولا يَجِبُ أنْ يكونَ معناهُ الشرعيُّ مُطَابِقًا للمعنَى اللُّغويِّ، وعُمدةُ المعتزِلةِ أنَّ الحكْمَ الأوَّلَ إنْ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تعالى دائمًا استحالَ رَفْعُهُ، وإنْ لمْ يكُنْ دائمًا فلهُ مُدَّةٌ تَنتهِي إليهِ، والنسْخُ عِبارةٌ عن الإِعْلَامِ ببُلُوغِ ذلكَ الوقتِ الذي يَنتهِي عندَهُ الْحُكْمُ، وهذا مُعْتَمَدٌ قَوِيٌّ. وقد اختارَ ابنُ بَرْهَانٍ وغيرُهُ قولَ المعتزِلةِ في حَدِّ النسْخِ، وقالَ قَوْمٌ: النسْخُ ظُهورُ ما يُنافِي الاستمرارَ. وهوَ باطِلٌ بالعجْزِ والموتِ؛ فإنَّهُما يُنافيانِ استمرارَ الأحكامِ المتعلِّقَةِ بالقُدرةِ والحياةِ، مِثلُ القيامِ إلى الصلاةِ، وتَزكيَةِ المالِ، وصيامِ رَمضانَ، ولا يُسَمَّى ذلكَ نَسْخًا. وقالَ قومٌ: النسْخُ: النهيُ عنْ مِثلِ ما أَمَرَ بهِ، والأمْرُ بِمِثْلِ ما نَهَى عنهُ. وهذا يَخْرُجُ عنهُ نَسْخُ المُبَاحِ بالحرامِ، مثلُ: نَسْخِ إباحةِ الخمرِ بالتحريمِ؛ فإنَّ هذا نَهْيٌ عنْ ما لمْ يُؤْمَرْ بهِ. ونَسْخُ التحريمِ بالإباحةِ مثلُ: إباحةِ المَغَانِمِ؛ فإنَّ هذا إباحةٌ وليسَ أمْرًا.
(ويجُوزُ نَسْخُ الرسْمِ وبقاءُ الحكْمِ، ونسْخُ الحكْمِ وبقاءُ الرسْمِ، والنسْخُ إلى بَدَلٍ وإلى غيرِ بَدَلٍ، وإلى ما هوَ أَغلظُ وما هوَ أَخَفُّ) .
الرسْمُ رَسْمُ المُصْحَفِ؛ أي: الكتابةُ فيهِ، يَعْنِي: يَجوزُ نَسخُ الآيَةِ مِن المصحَفِ، بمعنى أنَّها لا تُثْبَتُ فيهِ ولا تُتْلَى معَ ما يُتْلَى مِن القرآنِ، معَ أنَّ حُكْمَها باقٍ؛ أيْ: مُسْتَمِرُّ التكليفِ. ودليلُ جَوازِ ذلكَ وُقوعُهُ؛ فإنَّ آيَةَ الرجْمِ وهيَ: (الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيَا فارْجُمُوهما البَتَّةَ جَزاءً بما كَسَبَا مِن اللَّذَّةِ) ، كانتْ قُرآنًا يُقْرَأُ، ثمَّ نُسِخَتْ تِلاوتُها وكتابتُها معَ بَقاءِ حُكْمِ الرجْمِ. وعنْ بعضِ المتكلِّمينَ: مُنِعَ نَسْخُ التلاوةِ معَ بقاءِ الحكْمِ تَعَلُّقًا بأنَّ التلاوةَ أَصْلُ الحكْمِ، فلا يَجوزُ رَفْعُ الأصلِ معَ بَقاءِ الحكْمِ الذي هوَ الفرْعُ. وهذا خَيالٌ؛ فإنَّ الحكْمَ ليسَ فَرْعًا للتلاوةِ في ثُبوتِهِ، بل التلاوةُ والحكْمُ ثابتانِ بإثباتِ الشرْعِ، فهما حُكمانِ يَجوزُ نَسْخُ أحدِهما وبَقاءُ الآخَرِ. وأمَّا نَسْخُ الحكْمِ وبَقاءُ الرسْمِ فمِثلُ آيَةِ العِدَّةِ للوفاةِ المُوجِبَةِ للاعتدادِ حَوْلًا، وهيَ قولُهُ تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ، نَسَخَتْ هذهِ الآيَةُ التي قَبلَها في التلاوةِ، وهيَ قولُهُ تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، [فنُسِخَ الاعتدادُ بالحوْلِ إلى الاعتدادِ بأربعةِ أَشْهُرٍ وعَشْرٍ] . فآيَةُ الأشهُرِ مُتأخِّرَةٌ عنْ آيَةِ الحوْلِ في النُّزُولِ، وإنْ كانت الآنَ مُتَقَدِّمَةً عليها في التلاوةِ؛ لأنَّ الأحكامَ تابعةٌ للنزولِ، وأمَّا ترتيبُ الآياتِ في التلاوةِ فهوَ تَوقيفٌ؛ فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ قالَ: (( اجْعَلُوهَا فِي مَكَانِ