الصفحة 28 من 53

كَذَا )) . وقدْ مَنَعَ قومٌ أيضًا مِنْ نَسْخِ الحُكْمِ معَ بَقاءِ التلاوةِ تَعَلُّقًا بأنَّ التلاوةَ دَلِيلٌ على بقاءِ الحُكْمِ، فلا يَجوزُ إبقاؤُها معَ نَسْخِ الْحُكْمِ؛ فإنَّهُ تَجهيلٌ. وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ المنسوخَ مِن الكتابِ يُعْلَمُ نَسْخُهُ، فلا يُعْذَرُ الجاهلُ بهِ في جَهْلِهِ.

والنسْخُ إلى بَدَلٍ مِثلُ: نَسْخِ استقبالِ بيتِ الْمَقْدِسِ إلى استقبالِ الكعبةِ.

والنسْخُ إلى غيرِ بَدَلٍ مِثلُ: نَسْخِ آيَةِ الأمْرِ بالصدَقَةِ عندَ النَّجْوَى، وهيَ قولُهُ تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} ، نُسِخَ ذلكَ وأُبِيحَت النَّجْوَى مِنْ غيرِ تقديمِ صَدَقَةٍ. وقالَ بعضُ المتكلِّمينَ: لا يَجوزُ النسْخُ إلى غيرِ بَدَلٍ؛ لقولِهِ تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ، وهذا يَقتضِي أنَّهُ لا يَقَعُ النسْخُ إلَّا ببَدَلٍ.

والجوابُ: أنَّ الحكْمَ إذا نُسِخَ إلى غيرِ بَدَلٍ كانَ ما جاءَ الشرْعُ بهِ مِنْ عَدَمِ البَدَلِ إمَّا مُساويًا للحكْمِ الأوَّلِ إذا اقْتَضَى الحالُ استواءَ الحُكْمِ وعَدَمَهُ في الْمَصْلَحَةِ، وإمَّا راجحًا على الحكْمِ إذا اقْتَضَى الحالُ ترجيحَ عَدَمِ الحكْمِ على وُجودِهِ، فقدْ تَحَقَّقَ مُقتضَى الآيَةِ مِنْ مَجيءِ الشرْعِ بمِثْلِ الحكْمِ المنسوخِ أوْ خيرٍ منهُ، بالإضافةِ إلى مَصلحةِ الْمُكَلَّفِ. والنسْخُ بالأغلظِ مِثلُ نَسْخِ التَّخْيِيرِ بينَ الصومِ والفِديَةِ إلى تَعيينِ الصومِ، وذلكَ في قولِهِ تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ، نُسِخَ ذلكَ بقولِهِ تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . والنسْخُ بالأخَفِّ مِثْلُ: نَسْخِ مُصَابَرَةِ العَشَرَةِ معَ الكُفَّارِ في القتالِ إلى مُصابَرَةِ اثنيْنِ، وذلكَ في قولِهِ تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} ، نُسِخَ ذلكَ بقولِهِ تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} .

ومِنْ أقسامِ هذا الفصْلِ نَسْخُ الرَّسْمِ والحُكْمِ جميعًا، مِثلُ ما جاءَ في الحديثِ الثابتِ: أنَّهُ كانَ مِن القرآنِ الذي يُتْلَى: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مُحَرِّمَاتٌ) ، فنُسِخَ ذلكَ تِلاوةً وحُكْمًا، وصارَ المُحَرِّمُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ.

(ويجوزُ نَسْخُ الكتابِ بالكتابِ، ونَسْخُ السُّنَّةِ بالكتابِ والسُّنَّةِ، ونَسْخُ المُتَوَاتِرِ بالمتواتِرِ، ونَسْخُ الآحادِ بالآحادِ وبالمتواتِرِ) .

نَسْخُ الكتابِ بالكتابِ جَائزٌ؛ لأنَّهُ واقعٌ في الشريعةِ، ولولا جَوازُهُ لَمَا وَقَعَ. وقدْ تَقَدَّمَ مِثالُ ذلكَ في مِثالِ نَسْخِ إحدى آيَتَي العِدَّةِ بالأُخْرَى، ونَسْخِ إحدى آيَتَي الْمُصابَرَةِ بالأُخْرَى. وقد احْتُجَّ على نَسْخِ الكتابِ بالكتابِ بقولِهِ تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} . وهذا لا دليلَ فيهِ على نَسْخِ الكتابِ بالكتابِ؛ لأنَّا قدْ بَيَّنَّا قَبلَ هذا أنَّ المرادَ الإتيانُ بحُكْمٍ يكونُ للمكلَّفِ خَيْرًا مِن المنسوخِ أوْ مِثْلَهُ، وذلكَ قدْ يكونُ بقُرآنٍ يُتْلَى، وقدْ يكونُ بسُنَّةٍ تُنْقَلُ نَقْلًا مُتواتِرًا، فلا يَنْحَصِرُ ذلكَ في الكتابِ.

وأمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بالكتابِ فجائزٌ أيضًا على الصحيحِ؛ فإنَّهُ لا خِلافَ في جوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ. ونَسْخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ أَوْلَى؛ لاستوائِهما في النقْلِ المتواتِرِ، وامتيازِ القرآنِ بالنظْمِ الْمُعجِزِ. ومِثالُ نَسْخِ السُّنَّةِ بالكتابِ: نَسْخُ استقبالِ بيتِ الْمَقدِسِ في الصلاةِ؛ فإنَّهُ ثَبَتَ بالسُّنَّةِ المتواترةِ، ثمَّ نُسِخَ بقولِهِ تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . ومَنَعَ قومٌ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بالكتابِ، ويُرْوَى ذلكَ قولًا للشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، واحتَجَّ لهُ بقولِهِ تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، فالسُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ، فلوْ نَسَخَها القرآنُ كانَ مُبَيِّنًا لها، وانعكَسَ الحالُ في البيانِ. وهذا مُعْتَمَدٌ ضعيفٌ؛ فإنَّ البيانَ هوَ إيضاحُ الْمُجْمَلِ، فأمَّا الْمُبَيَّنُ إذا رُفِعَ لمْ يكُنْ ذلكَ بَيانًا. والوقوعُ يَرُدُّ هذا الدليلَ؛ فإنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بالكتابِ لوْ كانَ مُمْتَنِعًا لمْ يَقَعْ، وقدْ بَيَّنَّا وُقوعَهُ في استقبالِ القِبلةِ في الصلاةِ.

وأمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ فمِثلُ: نَسْخِ تحريمِ زيارةِ القُبورِ بالإذْنِ فيها في قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ ) )، ومِثلُ: نَسْخِ المُقَامِ بمكَّةَ بالهِجرةِ إلى المدينةِ. وقَطَعَ قومٌ بِمَنْعِ نَسْخِ الكتابِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت