الصفحة 29 من 53

بالسُّنَّةِ، وذلكَ هوَ الْمَنقولُ عنْ مَذهَبِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، قالَ: إنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وذلكَ قولُهُ تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} . وهذا لا دليلَ فيهِ على امتناعِ نسْخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ؛ فإنَّا قدْ بَيَّنَّا أنَّ معنى: [خَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا] ، خيرٍ منها بالإضافةِ إلى المكلَّفينَ أوْ مثلِها كذلكَ، وهذا يُمْكِنُ الإتيانُ بهِ بالكتابِ وبالسُّنَّةِ. والمشهورُ المختارُ عندَ الأكثرينَ جوازُ نَسْخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ إذا كانتْ مُتواترةً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَقطوعٌ بهِ، فجَازَ نَسْخُ أحدِهما بالآخَرِ كنَسْخِ الكتابِ بالكتابِ. ومِثلُ نَسْخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ المتواترةِ: كآيَةِ الوصيَّةِ، وهيَ قولُهُ تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} ، نُسِخَ وجوبُ الوصيَّةِ بالسُّنَّةِ المتواترةِ؛ فإنَّهُ ليسَ في الكتابِ ما يَنْسَخُ وُجوبَ الوصيَّةِ، فَعُلِمَ نَسْخُها بالسُّنَّةِ المتواترةِ. لا يُقالُ: نُسِخَتْ آيَةُ الوصيَّةِ بآيَةِ المواريثِ، وهيَ قولُهُ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} ؛ لأنَّ آيَةَ المواريثِ لا تُناقِضُ آيَةَ الْوَصِيَّةِ، فإنَّ الجمْعَ بينَ الوَصِيَّةِ والمواريثِ مُمْكِنٌ، وما نُسِخَ مِن القرآنِ بالقرآنِ فهوَ نَسْخُ المتواتِرِ بالمتواترِ، وقدْ ذَكَرْنا مِثالَ نَسْخِ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ تَواتُرًا وآحادًا.

(ولا يَجُوزُ نَسْخُ المتواترِ بالآحادِ)

فلا يَجوزُ نَسْخُ الكتابِ بالآحادِ مِن السُّنَّةِ، وكذلكَ لا يَجوزُ نَسْخُ المتواتِرِ مِن السُّنَّةِ بالآحادِ؛ لأنَّ المتواتِرَ مَقطوعٌ بهِ والآحادَ مَظْنُونٌ، ولا يَجوزُ تَرجيحُ الظنِّ على القطْعِ. وقال أهلُ الظاهرِ: يَجوزُ نَسْخُ المتواتِرِ بالآحادِ؛ فإنَّهُ موجودٌ في الشريعةِ، وما وُجِدَ استحالَ مَنْعُهُ، ودليلُ وُجودِ ذلكَ: قِصَّةُ أهلْ قُبَاءَ؛ فإنَّهُم كانوا يَعْلَمونَ استقبالَ بيتِ الْمَقدِسِ في الصلاةِ بالسُّنَّةِ المتواتِرَةِ، فلَمَّا أَخْبَرَهم مُخْبِرٌ في الصلاةِ بأنَّ القِبلةَ قدْ حُوِّلَت اسْتَدَارُوا إلى الكعبةِ، وعَلِمَ بذلكَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فلمْ يُنْكِرْهُ عليهم، فدَلَّ ذلكَ على جَوازِ نَسْخِ المقطوعِ بالمَظْنُونِ. وأُجيبَ عنْ هذا بأجوبةٍ:

أحدُها: أنَّهُ يَجوزُ أنْ يكونَ اقترَنَ بخبرِ ذلكَ المُخْبِرِ ما أَوْجَبَ القطْعَ، فلا حُجَّةَ للخَصْمِ حينئذٍ فيهِ. والثاني: أنَّ هذا خَبَرُ واحدٍ على خِلافِ دَليلِ العقلِ، فوَجَبَ إلغاؤُهُ والتأويلُ بما ذَكَرْنَاهُ. والثالثُ: أنَّ مَسائلَ النَّسْخِ مسائلُ أُصوليَّةٌ طَريقُها اليقينُ لا الظنُّ، وهذا خبرُ واحدٍ لا يُفيدُ إلَّا الظنَّ، فلا يَجوزُ الاحتجاجُ بهِ في هذهِ المسألةِ. وقدْ قيلَ: إنَّ قولَهُ تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآيَةَ، مَنسوخٌ بجَمْعِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ بينَ خَمْسِ صلواتٍ بوُضُوءٍ واحدٍ، فقالَ لهُ عُمَرُ في ذلكَ، فقالَ: (( عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ ) )، وهذا نَسْخُ المتواتِرِ بالآحادِ. والصحيحُ أنَّ هذا ليسَ مِنْ بابِ النسْخِ، بلْ مِنْ بابِ التخصيصِ؛ فإنَّ قولَهُ تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} ، عامٌّ في كلِّ وَقتٍ قامَ فيهِ المُكَلَّفُ إلى الصلاةِ على أيِّ حالٍ كانَ، مُتَطَهِّرًا وغيرَ مُتَطَهِّرٍ، فإذا دَلَّت السُّنَّةُ على عَدَمِ الوُجوبِ في حَقِّ المتطَهِّرِ كانَ ذلكَ التخصيصُ لبعضِ ما يَتناوَلُهُ اللفظُ عن الإرادةِ، والتخصيصُ بالظنِّ جائزٌ؛ لأنَّ دَلالةَ العُمومِ ظَنِّيَّةٌ. وكذلكَ قيلَ: إنَّ آيَةَ المواريثِ مَنسوخةٌ في حقِّ القَاتِلِ والرقيقِ وكلِّ مَنْ لا يَرِثُ لِوَصْفٍ يَحْجُبُهُ، وذلكَ نَسْخُ المتواتِرِ بالآحادِ. وهذا أيضًا لا يَصِحُّ؛ فإنَّهُ في الحقيقةِ تخصيصٌ لبعضِ ما تناوَلَهُ اللفظُ العامُّ، لا نَسْخٌ لأصلِ الحكْمِ.

(فَصْلٌ في التعارُضِ: إذا تعارَضَ نُطْقَانِ فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكُونَا عامَّيْنِ، أوْ خاصَّيْنِ، أوْ أحدُهما عامًّا والآخَرُ خاصًّا، أوْ كُلُّ واحدٍ منهما عامًّا مِنْ وجهٍ وخاصًّا مِنْ وجهٍ آخَرَ. فإنْ كانا عامَّيْنِ، فإنْ أَمْكَنَ الجمْعُ يُجْمَعُ بينَهما، وإنْ لمْ يَتَمَكَّن الجمْعُ بينَهما يُتَوَقَّفُ فيهما إنْ لمْ يُعْلَم التاريخُ، فإنْ عُلِمَ التاريخُ فيُنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ بالمُتَأَخِّرِ، وكذلكَ إذا كانا خاصَّيْنِ، وإنْ كانَ أحدُهما عامًّا والآخرُ خاصًّا فيُخَصُّ العامُّ بالخاصِّ، وإنْ كانَ كلُّ واحدٍ منهما عامًّا مِنْ وجهٍ وخاصًّا مِنْ وجهٍ آخرَ، فيُخَصُّ عمومُ كلِّ واحدٍ منهما بخُصوصِ الآخَرِ) .

التعارُضُ: التفاعُلُ مِنْ عَرَضَ يَعْرِضُ، كأنَّ كلَّ واحدٍ مِن النصَّيْنِ عَرَضَ لِلآخَرِ لَمَّا خالَفَهُ، والمرادُ بالنُّطْقِ: قولُ اللَّهِ تعالى وقولُ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ. ودليلُ الأقسامِ المذكورةِ: أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن النَّصَّيْنِ إمَّا أنْ يَتناوَلَ عَيْنَ ما تَناوَلَهُ الآخَرُ أوْ غيرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت