فهرس الكتاب
ما تَناوَلَهُ. فإنْ كانَ الأَوَّلُ فَهُمَا إمَّا عامَّانِ، أوْ خاصَّانِ. وإنْ تَناوَلَ غيرَهُ، فإمَّا أنْ يَتناوَلَ كلُّ واحدٍ منهما شيئًا لمْ يَتناوَلْهُ الآخَرُ أوْ لا، فإنْ كانَ الأوَّلُ فكلٌّ منهما عامٌّ مِنْ وجهٍ وخاصٌّ مِنْ وجهٍ، وإنْ كانَ الثاني فأَحَدُهما عامٌّ والآخَرُ خاصٌّ. مثالُ تَعارُضِ العامَّيْنِ قولُهُ تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، فأباحَ مِلْكَ اليمينِ بحيثُ يَتناوَلُ كلَّ مَملوكٍ. وقولُهُ تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ، فحَرَّمَ الجمْعَ بينَ الأختَيْنِ بحيثُ تَناوَلَ الْمِلْكَ والنِّكَاحَ، فيَجِبُ التوقُّفُ لاستواءِ النَّصَّيْنِ في التناوُلِ، ودَلالةُ كلِّ واحدٍ منهما على نَقيضِ ما دَلَّ عليهِ الآخَرُ؛ ولهذا قالَ عُثمانُ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ لَمَّا سُئِلَ عن الجمْعِ بينَ الأختَيْنِ بِمِلْكِ اليمينِ، قالَ:"أَحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ"، وتَوَقَّفَ في ذلكَ. وأمَّا الفُقهاءُ فحَكَموا بالتحريمِ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ، وهوَ أنَّ الأصلَ في الأَبْضَاعِ الحُرْمَةُ، وأنَّ التحريمَ أَحْوَطُ، فوَجَبَ المصيرُ إليهِ. وقولُهُ: إنْ أَمْكَنَ الجمْعُ بينَهما يُجْمَعُ، يعني: إذا أَمْكَنَ حَمْلُ أحدِهما على حالٍ، والآخَرِ على حالٍ آخَرَ، فلا يَتعارضانِ؛ لأنَّهُما لمْ يَتوارَدَا على مَحَلٍّ واحدٍ. ومِثالُ هذا: ما يُرْوَى مِنْ قولِهِ عليهِ السلامُ: (( شَرُّ الشُّهُودِ الَّذِي يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ) )، وقولُهُ: (( خَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ) )، فحُمِلَ الأوَّلُ على المُبَادَرَةِ إلى الشهادةِ قبلَ سُؤَالِها معَ عِلْمِ مَنْ لهُ الشَّهادةُ بهِ، وحُمِلَ الثاني على الشاهِدِ الذي لا يكونُ المشهودُ لهُ عالِمًا بهِ، فيَشْهَدُ ليَعلمَ صاحبُ الحقِّ بهِ. وَلْيُعْلَمَ أنَّ الجمعَ بينَ العامَّيْنِ معَ إجراءِ كلِّ واحدٍ منهما على عُمومِهِ مُحالٌ؛ فإنَّهُ يُفْضِي إلى الجمْعِ بينَ النقيضَيْنِ، فإنَّا لوْ حَكَمْنَا بأنَّ كلَّ مُبادِرٍ للشَّهادةِ شَرُّ الشهودِ وخيرُ الشهودِ، جَمَعْنا بينَ نَقيضَيْنِ، فإِطْلاقُ الجمْعِ بينَهما مَجازٌ معناهُ تَخصيصُ كلِّ واحدٍ منهما بحالٍ لا يَتناوَلُهُ الآخَرُ. وإذا تَعارَضَ العامَّانِ ولمْ يُمْكِن الجمْعُ وكانَ التاريخُ مَعْلُومًا جُعِلَ الثاني ناسخًا للأَوَّلِ، مِثلُ آيَتَي العِدَّةِ؛ فإنَّ آيَةَ الاعتدادِ بأربعةِ أَشْهُرٍ وعَشْرٍ ناسخةٌ لآيَةِ الاعتدادِ بالحَوْلِ لَمَّا كانتْ بعدَها في النُّزولِ. وكذلكَ آيَتَي الْمُصابَرَةِ، نَسَخَتْ مُصابَرَةُ الواحدِ الاثْنَيْنِ مُصابَرَةَ الواحدِ العشرةَ؛ لأنَّ مُصابَرَةَ الاثنَيْنِ مُتأَخِّرَةٌ في النزولِ عنْ مُصابَرَةِ العَشرةِ. فإنْ لمْ يُعْلَم التاريخُ وَجَبَ التوَقُّفُ حتَّى يُعْلَمَ الراجِحُ منهما بدليلٍ مُنْفَصِلٍ فيُعْمَلَ بهِ، كما ذَكَرْنا في آيَتَيْ مِلْكِ اليمينِ والجمْعِ بينَ الأُختيْنِ.
والخاصَّانِ إذا تَعَارَضَا كالعامَّيْنِ: إنْ أَمْكَنَ الجمْعُ بينَهما جُمِعَ، وإنْ لمْ يُمْكِنْ وعُلِمَ التاريخُ نُسِخَ المتقدِّمُ بالمتأَخِّرِ، وإنْ لمْ يُعْلَمْ وَجَبَ التوَقُّفُ حتَّى يُعْلَمَ الراجِحُ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ. مثالُ تعارُضِ الخاصَّيْنِ والجمْعُ بينَهما مُمْكِنٌ: ما جاءَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ وغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وأنَّهُ تَوَضَّأَ ورَشَّ الماءَ على قَدَمَيْهِ وهما في النعلَيْنِ، فجُمِعَ بينَهما بأنَّهُ غَسَلَهما وهما في النعلَيْنِ فسُمِّيَ ذلكَ رَشًّا مَجازًا، وقدْ جُمِعَ بينَهما بوَجْهٍ آخَرَ فقيلَ: غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ في حالِ الحدَثِ، ورَشَّهُما في حالِ الطهارةِ؛ ولهذا جاءَ في روايَةِ الرَّشِّ في بعضِ الطُّرُقِ: (( هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ) ). ومِثالُ تَعَارُضِ الخاصَّيْنِ وأَحَدُهما ناسخٌ للآخَرِ: ما ذَكَرْنَاهُ مِن النهيِ عنْ زيارةِ القبورِ ثمَّ الإذنِ في زِيارَتِها. ومثالُ تَعارُضِ الخاصَّيْنِ والتاريخُ مجهولٌ: ما جاءَ أنَّهُ عليهِ السلامُ سُئِلَ عمَّا يَحِلُّ للرجُلِ مِن امرأَتِهِ وهيَ حائضٌ، فقالَ: (( مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ) ). وجاءَ أنَّهُ قالَ: (( اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ ) ). فتعارَضَ الخَبَرَانِ في الإباحةِ والتحريمِ، فمِن الفقهاءِ مَنْ رَجَّحَ التحريمَ نظرًا للاحتياطِ، ومنهم مَنْ رَجَّحَ الإباحةَ عَمَلًا بأنَّ الأصلَ في المنكوحةِ الإباحةُ.
ومثالُ تعارُضِ الخاصِّ والعامِّ: الأخبارُ الواردةُ في تقديمِ الصلواتِ في أوَّلِ الوقتِ، مِثلُ قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ) ). والأخبارُ الواردةُ في تأخيرِ العِشَاءِ، مِثلُ قولِهِ عليهِ السلامُ: (( لَوْلَا أَنْ أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ) )، وقولِهِ عليهِ السلامُ: (( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ) )، معَ قولِهِ: (( لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الثَّمَرِ صَدَقَةٌ ) ). وظاهِرُ مَذْهَبِنا أنَّ الخاصَّ يَقْضِي على العامِّ، سَوَاءٌ وَرَدَا معًا أوْ تَقَدَّمَ أحدُهما على الآخَرِ أوْ جُهِلَ تاريخُ وُرُودِهما. وعنْ بعضِ الظاهريَّةِ: يَتعارَضُ الخاصُّ والعامُّ. ويُعْزَى هذا القولُ إلى أبي بكرٍ الأشعريِّ. وعنْ بعضِ الفُقهاءِ: أنَّهُ إذا جُهِلَ تاريخُ وُرودِهما ولمْ يُعْلَم المتقدِّمُ منهما مِن المتأَخِّرِ تَعارَضَا وتَساقَطَا ووَجَبَ الرُّجوعُ إلى دليلٍ آخَرَ. وعنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ: إنْ كانَ الخاصُّ مُخْتَلَفًا فيهِ، والعامُّ مُجْمَعٌ عليهِ، لمْ يُقْضَ بهِ على العامِّ، وإنْ كانَ مُتَّفَقًا عليهِ قُضِيَ بهِ. والدليلُ على وُجوبِ