فهرس الكتاب
إعمالِ الخاصِّ وتخصيصِ العامِّ بهِ، هوَ أنَّ كلَّ واحدٍ مِن النَّصَّيْنِ يَتناوَلُ مَحَلَّ التعارُضِ، وأحدُهما نَاصٌّ على الدَّلالةِ والآخَرُ مُتناوَلٌ تَنَاوُلَ العمومِ، والنصُّ مُقَدَّمٌ على العامِّ؛ ولأنَّ إعمالَ العامِّ يَلْزَمُهُ تَرْكُ الخاصِّ جُملةً، وإعمالَ الخاصِّ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ العامِّ جُملةً، بلْ يكونُ العامُّ مُسْتَعْمَلًا فيما وَراءَ مَحَلِّ التخصيصِ، وذلكَ إعمالُ النَّصَّيْنِ على حَسَبِ الإمكانِ، وهوَ أَوْلَى مِنْ إلغاءِ أَحَدِهما بالكُلِّيَّةِ، فإنْ قيلَ: إذا تَقَدَّمَ العامُّ، ثمَّ وَرَدَ الخاصُّ بعدَهُ مُتراخِيًا عنهُ، كانَ ذلكَ تأخيرًا للبيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ، وذلكَ لا يَجُوزُ، قيلَ: إذا وَرَدَ الخاصُّ قبلَ استعمالِ العامِّ في جميعِ مَوارِدِهِ كانَ ذلكَ بَيانًا للمُرادِ بالعامِّ، فإذا وَرَدَ قبلَ الاحتياجِ إلى الاستعمالِ لمْ يكُنْ ذلكَ تأخيرًا للبَيانِ.
ومِثالُ تَعَارُضِ الخبرَيْنِ وأحدُهما عامٌّ مِنْ وجهٍ وخاصٌّ مِنْ وَجهٍ، والآخَرُ كذلكَ: ما جاءَ مِنْ قولِهِ عليهِ السلامُ: (( إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا ) )، أوْ: (( لَمْ يَنْجُسْ ) )، معَ ما رُوِيَ أنَّهُ قالَ: (( الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ ) ). فالخبَرُ الأوَّلُ خاصٌّ مِنْ حيثُ تَقييدُهُ بالقُلَّتيْنِ، عامٌّ مِنْ حيثُ الحُكْمُ بأنَّهُ لمْ يَنْجُسْ مِنْ غيرِ تَعَرُّضٍ للتغيُّرِ ولا لعَدَمِهِ. والخبرُ الثاني عامٌّ مِنْ حيثُ الحكْمُ بأنَّ الماءَ طَهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ، خاصٌّ مِنْ حيثُ التعَرُّضُ للتَّغَيُّرِ، فنُزِّلَ عُمُومُ قولِهِ: (( الْمَاءُ طَهُورٌ ) )على خُصوصِ قولِهِ: (( إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْقُلَّتَيْنِ ) )، ونُزِّلَ عُمومُ قولِهِ: (( لَمْ يَنْجُسْ ) )على خصوصِ قولِهِ: (( إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ ) )، فَحُكِمَ أنَّ الماءَ القليلَ يَنْجُسُ بِمُلاقاةِ النَّجِسِ، تَغَيَّرَ أوْ لمْ يَتغيَّرْ؛ لعُمومِ مَفهومِ قولِهِ: (( إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ ) )، وحُكِمَ بأنَّ المتغَيِّرَ نَجِسٌ؛ لقولِهِ: (( إِلَّا مَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ ) ). وإنَّما خُصَّ عُمومُ كلِّ واحدٍ بخصوصِ الآخَرِ لِمَا ذَكَرْنا مِن الدليلِ في تَعارُضِ العامِّ والخاصِّ؛ فإنَّ كُلَّ ما ذَكَرْنَاهُ يَجْمَعُ بينَ كلِّ واحدٍ مِنْ وَجْهَي العمومِ والخصوصِ في كلِّ واحدٍ مِن الخبرَيْنِ، فكانَ أَوْلَى مِن النظَرِ إلى أحدِهما دونَ الآخَرِ.
(وأمَّا الإجماعُ فهوَ اتِّفاقُ عُلماءِ أهلِ العصْرِ على حُكْمِ الحادثةِ. ونَعْنِي بالعلماءِ الفُقهاءَ، ونَعْنِي بالحادثةِ الحادثةَ الشرعيَّةَ. وإجماعُ هذهِ الأمَّةِ حُجَّةٌ دُونَ غيرِها؛ لقولِهِ عليهِ السلامُ:(( لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ) )، والشرْعُ وَرَدَ بعِصمةِ هذهِ الأُمَّةِ)
أصْلُ الإجماعِ في كلامِ العرَبِ: العَزْمُ، يقالُ: أَجْمَعَ على الأمرِ، بمعنى عَزَمَ عليهِ، يُقَالُ: إنْ كُنْتَ أَجْمَعْتَ على الْمَسيرِ. ثمَّ لَمَّا كانَ الأمرُ المعزومُ عليهِ مِنْ جماعةٍ يَكونُ مُتَّفَقًا عليهِ، قيلَ بطريقِ الْمَجَازِ: أَجْمَعَ القومُ على كذا؛ أي: اتَّفَقُوا عليهِ. ثمَّ خُصَّ في عُرْفِ أهلِ الأصولِ باتِّفاقِ العُلماءِ على الحكْمِ الشرعيِّ.
وقولُهُ: (عُلَمَاءِ أَهْلِ الْعَصْرِ) ، احترازٌ مِنْ عامَّتِهم؛ فإنَّ الْمُعْتَبَرَ في الإجماعِ قولُ العلماءِ بالشريعةِ، وهم المجتَهِدُونَ القادِرُونَ على استنباطِ الأحكامِ الشرعيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِها. ولا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ المجتَهِدُ مَشهورًا أوْ خَامِلًا، عَدْلًا أَمِينًا أوْ فاسِقًا؛ لأنَّ المعتَمَدَ في هذهِ الأحكامِ أهليَّةُ الاجتهادِ، فكلُّ مَنْ لهُ آلةُ الاجتهادِ فلا بُدَّ مِنْ مُوافقَتِهِ، وإلَّا لمْ يَكُنْ ذلكَ الحكْمُ قولَ جَميعِ المجتهِدِينَ. واختارَ ابنُ بَرْهَانٍ في وَجيزِهِ أنَّ المجتهِدَ الفاسقَ لا يُعْتَدُّ بخِلافِهِ، كما لا يُعْتَدُّ برِوَايتِهِ. والظاهِرُ اعتبارُ قولِهِ؛ فإنَّ الإجماعَ بدُونِ قولِهِ لو انْعَقَدَ لزِمَهُ ترْكُ اجتهادِهِ إليهِ، وذلكَ مُحالٌ، فلوْ قِيلَ: يَنعقِدُ الإجماعُ في حقِّ غيرِهِ، ويَلْزَمُهُ الأخْذُ باجتهادِهِ، كانَ الإجماعُ دَليلًا بالإضافةِ إلى بعضِ الأُمَّةِ دُونَ بعضٍ، وذلكَ مُحالٌ. ولا يُعتبَرُ في انعقادِ الإجماعِ مُوافَقَةُ العوامِّ؛ لأنَّهُم لَيْسُوا مِنْ أهلِ الاجتهادِ، ولا يُمْكِنُ الوقوفُ على قولِ كلِّ واحدٍ منهم، بخِلافِ العُلماءِ؛ فإنَّهُم لشُهرَتِهم يُمْكِنُ مَعرِفَةُ أقوالِهم. وقالَ قومٌ مِنْ أهلِ الأصولِ: لا يَنعقِدُ الإجماعُ بدونِ مُوافَقَةِ العوامِّ، واحْتَجَّ بأنَّ المحكومَ لهُ بالعِصمةِ جميعُ الأُمَّةِ لا بعضُ الأُمَّةِ، وإذا لمْ يُوافِق العوامُّ العلماءَ، لمْ يكُنْ قَولُ العُلماءِ قولَ كلِّ الأُمَّةِ، بلْ قولَ بعضِها، فلا يكونُ حُجَّةً. وأُجيبَ عنْ هذا: بأنَّ السلَفَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم لمْ يَكونُوا يَرْجِعُونَ في الوقائعِ الشرعيَّةِ إلَّا إلى العلماءِ وأهلِ الاجتهادِ دُونَ العوامِّ. وفي هذا الجوابِ ضَعْفٌ إذا سُلِّمَ أنَّ مُعْتَمَدَ الإجماعِ النَّقْلِيَّاتُ المُوجِبَةُ للعِصْمَةِ، وسيأتي الكلامُ عليها.