فهرس الكتاب
ومُخَالَفَةُ الواحدِ مِن العلماءِ مانِعَةٌ مِن انعقادِ الإجماعِ؛ فإنَّ الإجماعَ لو انْعَقَدَ بدُونِهِ لَزِمَ أحدُ المُحَالَيْنِ، وما يَلْزَمُ منهُ أحدُ المُحالَيْنِ مُحالٌ. بيانُ ذلكَ أنَّ الواحدَ المُخَالِفَ مِنْ أهلِ الاجتهادِ، إمَّا أنْ يَلْزَمَهُ حُكْمُ إجماعِ الباقينَ أوْ لا يَلْزَمَهُ، فإنْ لَزِمَهُ كانَ مأمورًا بترْكِ ما [أَدَّاهُ إليهِ] اجتهادُهُ وتقليدِ غيرِهِ، وذلكَ مُحالٌ، وإنْ لمْ يَلْزَمْهُ كانَ الإجماعُ مُنْعَقِدًا في حقِّ بعضِ الأُمَّةِ دونَ بعضٍ، وذلكَ أيضًا مُحالٌ؛ فإنَّ الإجماعَ إذا انعقَدَ لَزِمَ حُكْمُهُ جميعَ المكلَّفِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بنُ جَريرٍ: خِلافُ الواحدِ أو الاثنَيْنِ غيرُ قادحٍ في الإجماعِ. ويُحْكَى هذا عنْ أبي الحسينِ المعتزِلِيِّ وأبي بكرٍ الرزايِّ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ. وفي قولِنا: (مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ تَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ) ، ما يُفيدُ أنَّ قولَ علماءِ المدينةِ وَحْدَهم لا يكونُ إجماعًا خِلافًا لِمَالِكٍ. وكذلكَ قولُ أهلِ الحرمَيْنِ: مكَّةَ والمدينةِ، والْمِصْرَيْنِ: البصْرَةِ والكوفةِ، لا يكونُ إجماعًا، خِلافًا لبعضِهم.
وقولُهُ: (ونَعْنِي بالعلماءِ الفُقهاءَ) ، إشارةٌ إلى أنَّ قولَ أهلِ الكلامِ والأصولِ غيرُ مُعْتَبَرٍ في انعقادِ الإجماعِ؛ لأنَّهُم لَيْسُوا مِنْ أهلِ الاجتهادِ في الأحكامِ الشرعيَّةِ، فهم عوامُّ بالإضافةِ إلى المُجْتَهِدِينَ. وقالَ بعضُ الأُصولِيِّينَ: يُعْتَبَرُ قولُهم ولا يَنْعَقِدُ الإجماعُ دونَ مُوافَقَتِهم؛ لأنَّهُم يَصْدُقُ عليهم اسمُ العلماءِ. والمرادُ بالفُقهاءِ الْمُجتهدونَ الذينَ يُمكِنُهم استنباطُ الأحكامِ الشرعيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِها، لا نَقَلَةُ مذاهِبِ مُقَلِّدِيهِم مِنْ غيرِ عِلْمٍ بطُرُقِ الأحكامِ.
وقولُهُ: (الحادثةَ الشرعيَّةَ) ، احترازٌ عن الحوادثِ غيرِ الشرعيَّةِ؛ فإنَّ الْمَرْجِعَ فيها إلى أهلِ الْخِبرةِ بها، وعنْ كلِّ ما يَجِبُ تقديمُ العلْمِ بهِ على السَّمْعِ: كوُجودِ الإلهِ تعالى، وحدوثِ العالَمِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا يَتَوَقَّفُ ثُبوتُ الشرعِ على العلْمِ بهِ؛ فإنَّهُ لا يَصِحُّ إثباتُهُ بالإجماعِ.
واختلَفَ الناسُ في المُعْتَمَدِ في كونِ الإجماعِ حُجَّةً، فقالَ قومٌ: المُعْتَمَدُ في ذلكَ العَقْلُ؛ فإنَّ الجماعةَ العظيمةَ مِنْ أهلِ العِلْمِ لا يُمْكِنُ في العادةِ الْمُطَّرِدَةِ اتِّفاقُهم على الْخَطَأِ. وهذا القائلُ يَشْتَرِطُ أنْ يكونَ الْمُجْمِعُونَ في عددِ التواترِ، حتَّى لا يَجوزَ على خَبَرِهم الكَذِبُ. ولا يُخَصُّ الإجماعُ بهذهِ الأُمَّةِ بلْ يَجِبُ أنْ يكونَ حُجَّةً فيما مَضَى. وهذا المُعْتَمَدُ ضعيفٌ؛ لِأُمُورٍ:
أحدُها: أنَّهُ يَلْزَمُ منهُ أنْ لا يكونَ الإجماعُ في العصرِ الأَوَّلِ حُجَّةً؛ فإنَّ العلماءَ حينئذٍ كانوا بحيثُ لا يَبْلُغونَ عددَ التواترِ. ومَن اطَّلَعَ على ما ذَكَرَهُ النَّقَلَةُ في أسماءِ الفُقهاءِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم عَرَفَ ذلكَ.
الثاني: أنَّ الجماعةَ المقلِّدينَ وإنْ بَلَغُوا عددَ التواتُرِ يَجوزُ عليهم الْخَطَأُ في التقليدِ، ولا يَجِبُ عِصْمَتُهُم منهُ؛ فإنَّ مُقَلِّدِي الأئِمَّةِ الأربعةِ انْتَشَروا في الآفاقِ بحيثُ زَادُوا على عددِ التواتُرِ، وكلُّ جَمْعٍ منهم يَعْتَقِدُ رَأْيَ إمامِهِ، والخطأُ جائزٌ عليهِ في ذلكَ، كاعتقادِ الشافعيَّةِ أنَّ النوافلَ لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، واعتقادِ الحنفيَّةِ لُزومَها. وإذا جازَ على الجمْعِ الكثيرِ الخطأُ في الأحكامِ الاجتهاديَّةِ بطريقِ التقليدِ، لمْ يكُنْ إخبارُهم عنها مُوجِبًا للعلْمِ.
الثالثُ: أنَّهُ لوْ كانَ إجماعُ كلِّ أُمَّةٍ حُجَّةً لَزِمَ أنْ يكونَ إجماعُ اليهودِ على أنَّ النبيَّ الموعودِ بهِ في التوراةِ لمْ يُوجَدْ بَعْدُ، وإجماعُ النَّصارَى على التثليثِ حُجَّةً، وذلكَ مُحالٌ.
وقالَ قومٌ: المُعْتَمَدُ في الإجماعِ إنَّما هوَ الدلائلُ النقليَّةُ الشاهدةُ بعِصمةِ هذهِ الأُمَّةِ، وأنَّها لا تَجتَمِعُ على الْخَطَأِ، ولا يَجوزُ مُخالفَتُهم، فمِنْ ذلكَ قولُهُ تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سِبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} ، قالُوا: ومُخَالَفَةُ الإجماعِ خُروجٌ عنْ سبيلِ المؤمنينَ، فكانَ مَمنوعًا بهذهِ الآيَةِ. ويُعْزَى هذا التمَسُّكُ إلى الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، وليسَ في هذا الآيَةِ قَاطِعٌ على كونِ الإجماعِ حُجَّةً، وإنَّما يُفيدُ ظَنًّا غيرَ غالبٍ؛ فإنَّ ظاهِرَها تَرَتُّبُ الوعيدِ المجموعِ مِن الْمُشاقَّةِ وتَرْكِ سبيلِ المؤمنينَ، ومُشاقَّةُ الرسولِ كُفْرٌ، وإذا تَوَجَّهَ الوَعيدُ إلى جُملةٍ لم يَلْزَم الوعيدُ على أجزائِها. وكذلكَ يَظْهَرُ مِنْ سِياقِها أنَّ المرادَ الكُفَّارُ الذينَ شَاقُّوا الرسولَ وتَرَكُوا سبيلَ المؤمنينَ الذي صارُوا بهِ مؤمنينَ، وذلكَ هوَ الإيمانُ، فلا يَدْخُلُ الاختلافُ في