الصفحة 33 من 53

الأحكامِ الفرعيَّةِ في ذلكَ. ومِنْ ذلكَ الحديثُ المشهورُ: (( لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ) ). وهذا الحديثُ خبرُ واحدٍ لا يُفيدُ العلْمَ، والمسألةُ فيما زَعَمَ كثيرٌ مِنْ ظَاهِرِيِّ الفُقَهاءِ يَقِينِيَّةٌ. وأَجْوَدُ طريقٍ لهذا الحديثِ ما خَرَّجَهُ أبو داوُدَ، عنْ أبي مالِكٍ الأشعريِّ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا، وَأَنْ لَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَلَّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ ) ). وهذا خِطابٌ للصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم لا يَتناوَلُ مَنْ بَعْدَهم. وأصَحُّ شيءٍ في بابِ الإجماعِ ما خَرَّجَ مسلمٌ مِنْ حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يقولُ: (( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) )، ومِنْ حديثِ ثَوْبَانَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ) ). وهذا وإنْ كانَ مَعدودًا في الصِّحاحِ فهوَ خَبَرُ واحدٍ، ثمَّ دَلالتُهُ على الإجماعِ ظَنِّيَّةٌ ضَعيفةٌ؛ فإنَّها مَوقوفةٌ على أنْ يكونَ المرادُ بالحقِّ الصوابَ في كلِّ واقعةٍ، وذلكَ إنَّما يَصِحُّ بتقديرِ أنْ يكونَ المفرَدُ المعرَّفُ للاستغراقِ، وفي ذلكَ خِلافٌ مشهورٌ. ثمَّ الظاهرُ أنَّ المرادَ بالحَقِّ في هذا الخبرِ أَصْلُ الإسلامِ والتوحيدِ الذي كانَ القتالُ عليهِ في زَمَنِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ.

وخَرَّجَ التِّرمذيُّ مِنْ حديثِ ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ- عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ ) ). قالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ غَريبٌ. وقالَ يَحْيَى بنُ مَعينٍ في روايَةٍ [1] : إنَّهُ ليسَ بشيءٍ. وضَعَّفَهُ أبو حاتمٍ وقالَ: يَرْوِي عن الثِّقاتِ أحاديثَ مُنْكَرَةً. وقال أبو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحديثِ. ومِنْ طريقِ المسيِّبِ بنِ واضحٍ، مِنْ حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ: (( لَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ ) )، والمسيِّبُ مشهورٌ ضَعْفُهُ. فهذهِ طُرُقُ هذا الحديثِ الذي لَهِجَ بهِ أهلُ الأصولِ واعتَمَدُوهُ في هذهِ المسألةِ، ليسَ فيها شيءٌ يَبْلُغُ دَرجةَ أحاديثِ الصحيحِ فَضْلًا عنْ أنْ يكونَ مُتواترًا.

وبما ذَكَرْناهُ مِن البيانِ لطُرُقِهِ يُعْلَمُ بُطلانُ قولِ مَنْ زَعَمَ أنَّهُ وَرَدَ مِنْ أخبارِ الآحادِ في هذا البابِ ما يَجْعَلُ المعنى مُتواتِرًا، وأنَّ كلَّ واحدةٍ مِن الرِّوَايَاتِ جاءَتْ آحَادًا، فَتُلْحَقُ بالرواياتِ الواردةِ في سَخَاوَةِ حاتمٍ وشَجاعةِ عَلِيٍّ؛ فإنَّ جميعَ الرِّوَاياتِ المُتَدَاوَلَةِ تَرْجِعُ إلى هذهِ الطُّرُقِ الثلاثِ التي ذَكَرْناها، ولا يَصيرُ أصلُ المعنى مُتواتِرًا بثلاثِ رواياتٍ، بخِلافِ سَخاوةِ حاتمٍ وشجاعةِ عَلِيٍّ؛ فإنَّ المَرْوِيَّ مِنْ ذلكَ مِن الآحادِ لا يَكادُ يَنحصِرُ. وقالَ ابنُ بَرْهَانٍ: هذهِ المتعلِّقاتُ ضَعيفةٌ لا تَصْلُحُ مُعْتَمَدًا، وإنَّما الْمُعْتَمَدُ في كونِ الإجماعِ حُجَّةً أنَّ السلَفَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم كانوا يُشَدِّدُونَ النَّكِيرَ على مَنْ يُخالِفُ الإجماعَ ويَخْرُجُ عنْ قولِ الجماعةِ، ويَمْنَعُونَ مِنْ ذلكَ. وهذا إثباتٌ للإجماعِ بالإجماعِ؛ فإنَّ حاصلَهُ التمَسُّكُ بإجماعِهم الفِعْلِيِّ -وهوَ أضعَفُ مِن القولِيِّ- على أنَّ إجماعَهم قولًا حُجَّةٌ.

ولْيُعْلَمْ أنَّ المشهورَ عندَ قُدماءِ أهلِ الأصولِ أنَّ مسألةَ الإجماعِ مِن المسائلِ القَطعيَّةِ، حتَّى حَكَمَ إمامُ الحرمَيْنِ عنْ بعضِ الفُقهاءِ بِكُفْرِ مُخالِفِ الإجماعِ، وهذا لا يَكادُ يُساعِدُهُ الدليلُ؛ فإنَّ خُلاصةَ مُعْتَمَدِهم ما ذَكَرْناهُ، وقدْ بَيَّنَّا ما فيهِ. فالحَقُّ ما أشارَ إليهِ الإمامُ وصَرَّحَ بهِ مَنْ بَعْدَهُ، أنَّ هذهِ المسألةَ ظَنِّيَّةٌ، وإذا كانتْ كذلكَ أَمْكَنَ التمَسُّكُ فيها بالعُمُومَاتِ وأخبارِ الآحادِ وإجماعِ السلَفِ. وكُلُّ مَنْ قالَ: إنَّ مُعْتَمَدَ الإجماعِ النقْلُ، قالَ: إنَّهُ مِنْ خصائصِ هذهِ الأمَّةِ، وإجماعُ مَنْ سِواهُم ليسَ حُجَّةً، وتَعَلَّقُوا

(1) سياقُ الكلامِ في الحُكْمِ على الرَّاوِي، وليسَ في الحُكْمِ على الحديثِ، ويستقيمُ المعنى لوْ كانت الكلمةُ (رَاوِيهِ) ، وليست (رِوَايَةٍ) ، وهوَ تصحيفٌ غيرُ بعيدٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت