فهرس الكتاب
بقولِهِ: (( [لَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ] أَوْ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ ) ). وهذا إنما يَدُلُّ على نَفْيِ الاحتجاجِ بإجماعِ غيرِ هذهِ الأُمَّةِ بطريقِ المفهومِ، والاختلافُ في الاحتجاجِ بهِ مَشهورٌ.
واحْتَجَّ مُنْكِرُو الإجماعِ بأمرَيْنِ:
أحدُهما: مَنْعُ تَصَوُّرِهِ؛ فإنَّ عُلماءَ العصْرِ غيرُ مَحصورينَ، وفيهم الخامِلُ ومنهم المشهورُ، ورُبَّ امرأةٍ في خِدْرِها بَلَغَتْ دَرجةَ الاجتهادِ ولا يُعْلَمُ بها. ولوْ فُرِضَ جَمْعُ أهلِ الاجتهادِ لا يُعْلَمُ اتِّفاقُهم؛ لِجَوازِ إظهارِ أَحَدِهم خِلافَ ما في نفسِهِ تَقِيَّةً.
وثانيهما: أنَّ حديثَ مُعاذٍ المشهورَ لمْ يُذْكَرْ فيهِ الإجماعُ، ولوْ كانَ حُجَّةً لذَكَرَهُ.
وأُجيبَ عن الأَوَّلِ، بأنَّ العادةَ تَقْتَضِي باشتهارِ المجتَهِدِ، وأنَّهُ لا يَخْفَى، وبأنَّ قولَهُ في الحادثةِ يَظْهَرُ. وعن الثاني، بأنَّ حديثَ مُعاذٍ كانَ في حياةِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ.
(والإجماعُ حُجَّةٌ على العصْرِ الثاني، وفي أيِّ عصرٍ كانَ، ولا يُشْتَرَطُ انقراضُ العصْرِ على الصحيحِ. فإنْ قُلْنَا: انقراضُ العصْرِ شَرْطٌ، يُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ وُلِدَ في حياتِهم وتَفَقَّهَ وصارَ مِنْ أهلِ الاجتهادِ، ولهم أنْ يَرْجِعُوا عنْ ذلكَ. والإجماعُ يَصِحُّ بقولِهم، وفِعْلِهم، وبقولِ البعضِ وفعْلِ البعضِ، وانتشارِ ذلكَ وسكوتِ الباقينَ عنْهُ) .
الموجودُ في أكثرِ النسَخِ هكذا: (الإجماعُ حُجَّةٌ على العصْرِ الثانِي) ، فيكونُ المرادُ التَّوْطِئَةَ لِمَا سيَذْكُرُهُ فيما بَعْدُ مِنْ أنَّ الإجماعَ هلْ يكونُ حُجَّةً على أهلِ العصرِ حتَّى لا يَجوزَ لهم الرجوعُ؟ وسيأتي بيانُ ذلكَ فيما ذَكَرَهُ بعدُ في انقراضِ العصرِ.
وفي بعضِ النسَخِ: (والإجماعُ حُجَّةٌ في العصرِ الثانِي) ، وهذا فيهِ تَعريضٌ بأنَّ إجماعَ التابعينَ حُجَّةٌ، خِلافًا لأهلِ الظاهرِ؛ فإنَّهُم قالُوا: الإجماعُ الْمُحْتَجُّ بهِ إجماعُ الصحابةِ، فأمَّا مَنْ بَعْدَهم فلا، واعْتَمَدوا على أنَّ الإحاطةَ بأقوالِ الْمُجْمِعِينَ في أيَّامِ الصحابةِ كانتْ مُمْكِنَةً؛ لاشتهارِ العلماءِ وانحصارِ عددِهم. فأمَّا بعدَ الصحابةِ فلا؛ فإنَّ العُلماءَ تَفَرَّقُوا في الأمصارِ، واخْتَلَفوا في الأَقْطَارِ، وكَثُرُوا بحيثُ لا يَحْصُرُهم عددٌ، ولا يَجْمَعُهم بلدٌ، ولا يُمْكِنُ الوقوفُ على قولِهم.
وأُجيبَ عنْ ذلكَ: بأنَّ إجماعَ العلماءِ على قَوْلٍ في كلِّ عَصْرٍ مُمْكِنٌ، بأنْ يَجْمَعَهم إمامٌ قاهرٌ ويَسْتَنْطِقَهم في حُكْمِ الواقعةِ.
وفي هذا الجوابِ نَظَرٌ للمُتَأَمِّلِ.
وقالَ قومٌ: إجماعُ الصحابةِ حُجَّةٌ، وكذلكَ إجماعُ التابعينَ. فأمَّا مَنْ بَعْدَهم فلا حُجَّةَ في إجماعِ عصرٍ مِن الأعصارِ؛ ولهذا قالَ: (وفي أيِّ عصْرٍ كانَ) ؛ أيْ: لا يَخْتَصُّ بعصرِ الصحابةِ ولا بعَصْرِ التابعينَ، بلْ أيُّ عصْرٍ اتَّفَقَ إجماعُ عُلماءِ أهلِهِ على واقعةٍ كانَ ذلكَ حُجَّةً على مَنْ بعْدَهم إلى انقراضِ الدُّنيا. والقولُ بتَصَوُّرِ الإجماعِ في كلِّ عَصْرٍ هوَ المشهورُ مِنْ مَذْهَبِ أهلِ الأصولِ. والتحقيقُ يَقتضِي خِلافَ ذلكَ؛ فإنَّ غايَةَ ما نَفْرِضُ وُجودُ إمامٍ قاهرٍ نافذِ الكلمةِ في أقطارِ الإسلامِ بحيثُ لا يُخَالَفُ، ولا تَخْفَى عليهِ أحوالُ أهلِ الأمصارِ على ما جَرَتْ بهِ عادةُ الملوكِ الْمُنَقِّبِينَ عنْ أحوالِ الرَّعَايا، فإذا تَقَدَّمَ هذا المَلِكُ بجَمْعِ العلماءِ في عصرِهِ، فجُمِعَ لهُ خَلْقٌ منهم، فسُئِلُوا عنْ حُكْمِ واقعةٍ، فأَجَابُوا جميعًا بجوابٍ واحدٍ -وهذا معَ كَوْنِهِ يَكادُ يَمْتَنِعُ عادةً وُقوعُهُ، ولمْ يُسْمَعْ فيما مَضَى بِمِثْلِهِ معَ وُجودِ الملوكِ القاهرينَ الْمُعْتَنِينَ بأحكامِ الوقائعِ- إذا وَقَعَ لمْ يَحْصُلِ العلْمُ باتِّفاقِهم كلِّهم على ذلكَ؛ فإنَّ مِن الجَائِزِ وُجودَ خامِلٍ مِنْ أهلِ العلْمِ لمْ يَعْثُرْ عليهِ المندوبُ بجَمْعِ العُلماءِ؛ لِخُمولِهِ أوْ لعَداوةٍ بَيْنَهُ وبينَ الْمُنَبِّهِ على أهلِ العلْمِ. ثمَّ الحاضرونَ يُمْكِنُ أنْ يكونَ بعضُهم أظهَرَ الوِفاقَ تَقِيَّةً؛ لِخَوْفِهِ مِنْ إظهارِ الخِلافِ الهلاكَ، أوْ أَظْهَرَ الوِفاقَ؛ لاعتقادِهِ أنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ في الفروعِ مُصيبٌ، أوْ لأنَّهُ هابَ المخالِفينَ فوَافَقَهم، كما جاءَ عن ابنِ عبَّاسٍ في العَوْلِ لَمَّا خالَفَ فيهِ، فقيلَ لهُ: هلَّا قُلْتَ ذلكَ في زمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ؟ فقالَ: كانَ رَجُلًا مَهِيبًا، فَهِبْتُهُ.