فهرس الكتاب
وأُجيبَ عنْ هذا: بأنَّ الإمكانَ الْمُجَرَّدَ عنْ قرائنِ الوُجودِ لا يَقْدَحُ في العلْمِ؛ فإنَّ العاقلَ يَعْلَمُ أنَّ النِّيلَ مَثلًا يَجْرِي ماءً فُراتًا، معَ أنَّهُ مُمْكِنٌ أنْ يَنقلِبَ ذَهَبًا أوْ دَمًا عَبِيطًا، فَإِمْكَانُ ذلكَ لا يَقْدَحُ في العلْمِ [بحالِهِ. فكذلكَ إمكانُ تَخَلُّفِ بعضِ العلماءِ أوْ مُوافَقَةِ بعضِهم ظاهرًا معَ مُخالَفَتِهِ في الباطنِ، لا يَقْدَحُ في العلْمِ] بإجماعِ عُلماءِ العَصْرِ على حُكْمِ الواقعةِ إذا اتَّفَقَ جميعُهم كما ذُكِرَ.
وفي هذا الجوابِ نَظَرٌ مِنْ جِهاتٍ:
أحدُها: أنَّهُ قِياسٌ أُكْمِلَ بهِ دليلُ الإجماعِ. وإثباتُ الإجماعِ بالقياسِ مُمْتَنِعٌ؛ فإنَّ الإجماعَ أَقْوَى مِن القِياسِ، فلا يَثْبُتُ الأَقْوَى بالأَضْعَفِ.
والثانيَةُ: أنَّهُ جَمْعٌ بينَ الْمُمْتَنِعِ عادةً والمُمْكِنِ عادةً؛ فإنَّ تَغَيُّرَ النِّيلِ عمَّا هوَ عليهِ مُمْتَنِعٌ في العادةِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا بالإضافةِ إلى قُدرةِ الحقِّ تعالى. بخِلافِ الإعراضِ عنْ خاملٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ إظهارِ كلمةِ التَّقِيَّةِ؛ فإنَّهُ مُمْكِنٌ عادةً، ووُقوعُ مِثلِ ذلكَ في الأَعْصَارِ دليلُ إمكانِهِ عَادةً.
والثالثةُ: قَطْعُ الْجَمْعِ بينَهما بإظهارِ افتراقِهما في الحقيقةِ؛ فإنَّ ما ذُكِرَ مِنْ تَغَيُّرِ حالِ النِّيلِ لو اقْتَرَنَ بهِ قَرينةٌ تَقتضِيهِ لمْ يَبْعُدْ وُقوعُهُ، وإنَّما قُطِعَ بعَدَمِ وُقوعِهِ لعَدَمِ القرائنِ الْمُقتضيَةِ لهُ. بخِلافِ ما نحنُ بِصَدَدِهِ مِنْ جَمْعِ عُلماءِ العصْرِ في مَكانٍ واحدٍ، واتِّفاقِهم على قولٍ واحدٍ في مَحَلِّ نَظَرٍ واجتهادٍ؛ فإنَّ القرائنَ الظاهرةَ كُلَّها تَمْنَعُ مِنْ وُقوعِ مِثلِ ذلكَ، وعَدَمُ وُقوعِهِ فيما مَضَى أَقرَبُ شاهدٍ على امتناعِهِ. وفيما يُرْوَى عن الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن الإنكارِ على مُدَّعِي الإجماعِ إشارةٌ إلى ذلكَ.
وفي بعضِ النُّسَخِ: (والإجماعُ حُجَّةٌ على العصْرِ الثاني، وأيِّ عَصْرٍ كانَ) . وليسَ في هذهِ العبارةِ كثيرُ فائدةٍ؛ فإنَّها لا تَقتضِي أكثرَ مِنْ أنَّ الإجماعَ إذا انْعَقَدَ كانَ حُجَّةً أَبَدًا. والعبارةُ الأُولَى فيها تَعَرُّضٌ لِمَا ذَكَرْناهُ مِنْ رَدِّ القولِ بإجماعِ الصحابةِ فقطْ، والقولِ بإجماعِ الصحابةِ والتابعينَ فقطْ.
وإذا أَجْمَعَ أهلُ العصْرِ على شيءٍ مِن الأحكامِ الشرعيَّةِ، هلْ يُشْتَرَطُ لانعقادِ الإجماعِ، وكونِهِ حُجَّةً، انقراضُهم أمْ لا؟ فيهِ قولانِ لأهلِ الأصولِ:
أحدُهما: يُشْتَرَطُ؛ لأمرَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الْمُجْمِعِينَ لا يَخْلُو إمَّا أنْ يَجوزَ لهم خِلافُ ما قالُوهُ أوَّلًا، أوْ لا يَجوزَ لهم ذلكَ. فإنْ كانَ الأَوَّلُ، فالإجماعُ لمْ يَنعقِدْ؛ لأنَّ الإِجماعَ المنعَقِدَ لا يَجوزُ لأحَدٍ خِلافُهُ. وإنْ كانَ الثاني لَزِمَ تَرجيحُ قولِهم الأوَّلِ على الثاني مِنْ غيرِ مُرَجِّحٍ؛ لأنَّ التقديرَ أنَّ مَصدَرَ القولَيْنِ سَوَاءٌ.
الثاني: أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ لَمَّا قالَ:"كانَ رَأْيِي ورأيُ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أنَّ أُمَّهاتِ الأولادِ لا يُبَعْنَ، وقدْ رَأَيْتُ أنَّهُنَّ يُبَعْنَ"، فقالَ لهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ:"رَأْيُكَ في الجماعةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ". فلولا أنَّ انقراضَ العصرِ شَرْطٌ لانعقادِ الإِجماعِ، وإلَّا كانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قدْ خَرَقَ الإِجماعَ برأْيِهِ الثاني في أُمَّهَاتِ الأولادِ، وكانَ الإِنكارُ عليهِ بغيرِ كلمةِ (أَحَبُّ إلَيْنَا) ؛ فإنَّها تَقتضِي اشتراكَ القولَيْنِ في جوازِ الأَخْذِ بهما، وإنَّما أحدُهما أَرْجَحُ مِن الآخَرِ.
والقولُ الثاني، وصَحَّحَهُ جماعةٌ مِنْ أهلِ الأصولِ: أنَّ الانقراضَ لا يُشْتَرَطُ، بلْ كُلَّمَا اتَّفَقُوا على الحكْمِ انْعَقَدَ الإِجماعُ؛ فإنَّهُم حينئذٍ كُلُّ الأمَّةِ المشهودُ لهم بالعِصمةِ، فلوْ لمْ يَكُنْ قولُهم حُجَّةً جازَ عليهم الخطأُ، ولمْ تَتَحَقَّق العِصمةُ المشهودُ بها شَرْعًا. ومِنْ أَدِلَّةِ هذا القولِ أنَّ الانقراضَ لوْ كانَ شَرْطًا لامْتَنَعَ حصولُ الإِجماعِ، واللازمُ مُنْتَفٍ فالملزومُ كذلكَ. بيانُ الْمُلازَمَةِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ وتعالى أَجْرَى العادةَ بأنَّ أهلَ كلِّ عَصْرٍ لا يَأْتِي الموتُ على جميعِهم حتَّى يَنْشَأَ مِنْ أهلِ العصرِ الثاني مَنْ يُساوِيهم أوْ