الصفحة 36 من 53

يُقارِبُهم، والوقوعُ شاهدٌ بذلكَ؛ فإنَّ جماعةً مِن التابعينَ أَفْتَوْا معَ وُجودِ خَلْقٍ مِن الصحابةِ، كالحَسَنِ البَصْرِيِّ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، كلُّ هؤلاءِ كانوا يُفْتُونَ معَ وُجودِ جَماعةٍ مِن الصحابةِ. وكذلكَ عَصْرُ التابعينَ لمْ يَنْقَرِضْ حَتَّى نَشَأَ خَلْقٌ مِنْ أَتباعِهم، وصَارُوا مِنْ أهلِ الاجتهادِ، وهكذا إلى آخِرِ الزمانِ. فلوْ كانَ انقراضُ العصرِ شَرْطًا فاللَّاحِقُونَ بأهلِ الإِجماعِ يُعْتَبَرُ وِفَاقُهم، ويَقْدَحُ في اتِّفاقِ أولئكَ خِلافُهم. فإنْ قيلَ: إذا انْقَرَضَ الأَوَّلونَ انْعَقَدَ الإِجماعُ على اللاحقينَ وحَرُمَ عليهم الخلافُ، لَزِمَ أنْ يكونَ قولُهم مُعْتَبَرًا ثمَّ يَصِيرُ غيرَ مُعْتَبَرٍ مِنْ غيرِ مُوجِبٍ لذلكَ، وذلكَ مُحالٌ، فتَعَيَّنَ أنْ يُقالَ: يُعْتَبَرُ انقراضُهم أيضًا على الوِفاقِ، لكنَّ انقراضَهم إنَّما يَتِمُّ بعدَ ظُهورِ خَلْقٍ مِنْ أَتْبَاعِهم، فلا بُدَّ مِنْ وِفاقِهم وانقراضِهم على ذلكَ. ويَعودُ الكلامُ في أَتباعِهم، وهكذا أبدًا، فيَمْتَنِعُ انعقادُ الإِجماعِ في شيءٍ مِن الأحكامِ، وقدْ عُلِمَ وُجودُ الإِجماعِ في أيَّامِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وظَهَرَ في أيَّامِ التابعينَ وبَعْدَهم، فعُلِمَ ثُبُوتُ المُلازَمَةِ، وانتفاءُ اللازمِ فالملزومُ كذلكَ، فلا عِبْرَةَ بالانقراضِ. وما تَمَسَّكَ بهِ مُشْتَرِطُو الانقراضِ أوَّلًا مِنْ أنَّ كِلَا قَوْلَي الْمُجْمِعينَ سَوَاءٌ، الأوَّلُ والثاني -فلا يَجوزُ ترجيحُ أحدِهما على الآخَرِ- ممنوعٌ؛ فإنَّ القولَ الأوَّلَ لَمَّا أَجْمَعوا عليهِ حُكِمَ لهُ بأنَّهُ حَقٌّ، وما بعدَ الحقِّ إلَّا الضلالُ، والضلالُ لا يَجوزُ على جُملتِهم، ولا يَجوزُ لبعضِهم الْمَصيرُ إليهِ، فظَهَرَ رُجحانُ القولِ الأوَّلِ على ما بعدَهُ. وما تَمَسَّكَ بهِ ثانيًا مِنْ قِصَّةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ في بيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ، فقدْ قيلَ: لمْ يُسَوِّغْ لهُ المخالَفَةَ عَدَمُ انقراضِ العصْرِ، إنَّما سَوَّغَ لهُ المخالَفَةَ أنَّهُ كانَ أَظْهَرَ الخِلافَ في أيَّامِ عُمَرَ، فلمْ يَنْعَقِدْ على ذلكَ إجماعٌ، وقالَ بقولِهِ غَيْرُهُ، وإنَّما ظَهَرَ قولُ عُمَرَ وعُمِلَ بهِ؛ لأنَّهُ كانَ الخليفةَ، وليسَ للمُجْتَهِدِ مَنْعُ الإِمامِ المجتَهِدِ مِنْ رَأْيِهِ، فأَنْفَذَ عمرُ ما ظَهَرَ لهُ وأَشْهَرَهُ بحيثُ شاعَ في الآفاقِ.

وفي قولِ عَبِيدَةَ: (رَأْيُكَ في الجَمَاعَةِ) ، إشارةٌ إلى أنَّ ما تَقَدَّمَ لمْ يكُنْ إِجماعًا. وفي هذا نَظَرٌ؛ فإنَّ قولَهُ:"كانَ رَأْيِي ورَأْيُ عُمَرَ أنَّ أُمَّهاتِ الأولادِ لا يُبَعْنَ"، صريحٌ في أنَّهُ كانَ يُوافِقُ عمرَ على ذلكَ، ثمَّ رَجَعَ عنهُ، فمِنْ أينَ ثَبَتَ خِلافُهُ لهُ؟ ولوْ ثَبَتَ أنَّهُ خالَفَهُ كانَ قولُهُ هذا صريحًا في أنَّهُ رَجَعَ إلى رَأْيِهِ، والوِفاقُ بعدَ الخِلافِ [يَرْفَعُ الخِلافَ] . فلعلَّ الأقرَبَ في الجوابِ عنْ هذهِ القَضِيَّةِ أنْ يُقالَ: كانَ رَأْيُهُ ورأيُ عمرَ أنَّهُنَّ لا يُبَعْنَ، معَ أنَّ غيرَهما مِن الصحابةِ كانَ يَرَى بَيْعَهُنَّ، فلمْ يَنْعَقِد الإِجماعُ إذْ ذاكَ؛ فلهذا جازَ لِعَلِيٍّ الرجوعُ عنْ ذلكَ الرأيِ الأَوَّلِ.

قولُهُ: (فإنْ قُلنا: انْقِرَاضُ العصْرِ شَرْطٌ، يُعْتَبَرُ قولُ مَنْ وُلِدَ في حياتِهم وتَفَقَّهَ وصارَ مِنْ أهلِ الاجتهادِ) .

يعني: أنَّ العُلماءَ إذا أَجْمَعوا على حُكْمٍ، ولَحِقَهم مَنْ بَعْدَهم مَنْ صارَ في رُتبةِ الاجتهادِ، كانَ وِفَاقُهُ لهم على ذلكَ القولِ مُعْتَبَرًا في انعقادِ الإِجماعِ على قولِنا: يُعْتَبَرُ انقراضُ العصْرِ. ومِنْ فروعِ هذا القولِ أيضًا أنَّ المُجْمِعِينَ أوَّلًا يَجوزُ لهم الرجوعُ عنْ قولِهم الأوَّلِ؛ فإنَّهُ لمْ يَصِرْ بعدُ حُجَّةً. وعلى قولِنا: لا يُعْتَبَرُ انقراضُ العصرِ، يَلْزَمُ ضِدُّ هذيْنِ الْحُكميْنِ، فلا يَجوزُ للمُجمعِينَ الرجوعُ، بلْ لا يَجوزُ عليهم ذلكَ كما بَيَّنَّا، ولا يَقدَحُ في قولِهم مُخَالَفَةُ مَنْ لَحِقَهم وصارَ مِنْ أهلِ الاجتهادِ بعدَ اتِّفاقِهم على ذلكَ الْحُكْمِ.

والإِجماعُ المُعْتَمَدُ هوَ المتبادَرُ إلى الفهْمِ مِنْ قولِ القائلِ: أَجْمَعَ العلماءُ على كذا. وذلكَ هوَ الإِجماعُ القولِيُّ؛ أيْ: أنْ يقُولُوا كلُّهم: هذا حلالٌ، أوْ هذا حرامٌ، وغيرُ ذلكَ مِن الأحكامِ. وأمَّا الإِجماعُ الفعليُّ، مِثْلُ: أنْ تَفْعَلَ الأُمَّةُ كُلُّها شيئًا، فيَجِبُ أنْ لا يكونَ ذلكَ حَرامًا، وإلَّا كانوا مُجْمِعينَ على ضَلالةٍ. وهذا دُونَ الإِجماعِ القولِيِّ؛ فإنَّ الفعلَ لا دَلالةَ لهُ على ما في الضميرِ مِنْ عِلْمٍ أوْ تَقليدٍ؛ ولهذا قيلَ: اشتراطُ انقراضِ العصرِ في هذا أَوْلَى مِن اشتراطِهِ في الإِجماعِ القولِيِّ. وأمَّا إذا قالَ البعضُ قولًا، وفعَلَ البعضُ ما يُوافِقُ ذلكَ القولَ، فقدْ عُدَّ هذا أيضًا مِن الإِجماعِ؛ لأنَّ القائلَ والفاعلَ كُلُّ الأمَّةِ، فلوْ كانَ ذلكَ خَطَأً كانوا مُجْمِعينَ على ضَلالةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت