الصفحة 37 من 53

ولْيُعْلَمْ أنَّ هذهِ الأقسامَ مُمْكِنَةُ الوُقوعِ، ولكنَّ النظَرَ في وُقوعِها. أمَّا الإِجماعُ القولِيُّ فمَوجودٌ؛ فإنَّ الصحابةَ أَجْمَعَتْ بالقولِ على بَيْعَةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ. وأمَّا الاتِّفاقُ بالقولِ والفعلِ فواقِعٌ أيضًا؛ فإنَّ الفُقهاءَ قالوا بشَرْعِيَّةِ رَكْعَتَي الطَّوافِ وفَعَلَهما كُلُّ مَنْ حَجَّ مِن الأُمَّةِ، فانعقَدَ الإِجماعُ على شَرعِيَّتِهما، واختلَفَ الناسُ بعدَ ذلكَ في أنَّهُما مَشروعتانِ بصِفةِ الإِيجابِ أو الاستحبابِ. وأمَّا الإِجماعُ الفعليُّ فلا يَكادُ يَتَحَقَّقُ؛ فإنَّ الأمَّةَ متى فَعَلَتْ شيئًا، لا بُدَّ مِنْ مُتَكَلِّمٍ منها بحُكْمِ ذلكَ الشيءِ، فأمَّا أنْ يَتَّفِقُوا على الفعْلِ مِنْ غيرِ أنْ يَصْدُرَ عنْ أحَدٍ منهم قولٌ دَالٌّ على حُكْمِ ذلكَ الفعْلِ، فهذا بَعيدٌ. وقدْ قيلَ: إنَّ إجماعَهم على إثباتِ القرآنِ في الْمَصاحِفِ إجماعٌ فِعْلِيٌّ، وليسَ كذلكَ؛ فإنَّهُم لمْ يَفْعَلُوا ذلكَ إلَّا بعدَ المشورةِ والْمُناظَرَةِ، ثمَّ اتَّفَقَتْ أقوالُهم على ذلكَ، ثمَّ فَعَلُوهُ.

وقيلَ: مِثالُ الإِجماعِ الفعليِّ إجماعُ الأمَّةِ على الْخِتانِ، فهوَ مَشروعٌ بالإِجماعِ الفعليِّ، وأمَّا وُجوبُهُ فأُخِذَ مِنْ أقوالِهم، وهيَ مُختلِفَةٌ فيهِ، فلمْ يكُنْ مُجْمَعًا عليهِ. وأمَّا انتشارُ القولِ وسُكُوتُ الباقينَ، فهذا هوَ الإِجماعُ السُّكُوتِيُّ. وظاهرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ أنَّهُ لا يكونُ إجماعًا؛ فإنَّهُ قالَ:"لَا يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ". وقيلَ: إنَّهُ إِجْمَاعٌ؛ لأنَّهُ لوْ كانَ ثَمَّ مُخَالِفٌ لظَهَرَ؛ فإنَّ العادةَ جاريَةٌ بأنَّ المجتهدينَ متى وَقَعَتْ حادثةٌ، أَظْهَرَ كُلُّ واحدٍ منهم رأيَهُ فيها وما أدَّاهُ إليهِ اجتهادُهُ. وقالَ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ أصحابِنا: هوَ حُجَّةٌ، وليسَ إجماعًا. وقال أبو عَلِيِّ بنُ أبي هُرَيْرَةَ: إنْ كانَ فُتْيَا فَقِيهٍ فهوَ حُجَّةٌ، وإنْ كانَ حُكْمَ حاكمٍ أوْ إمامٍ فليسَ بحُجَّةٍ؛ لأنَّ السكوتَ عن الإِمامِ والحاكمِ يُحالُ على أنَّ الساكتَ لمْ يَقْصِد المعارَضَةَ لِمَا فيها مِنْ إثارةِ الفِتنةِ، بخِلافِ مُعارَضَةِ الفقيهِ؛ فإنَّها لا تُوجِبُ ذلكَ. وقيلَ: الأمرُ بالعكْسِ، فالسُّكُوتُ عنْ فَتْوَى الفقيهِ لا يُفيدُ الموافَقَةَ؛ لأنَّ قولَهُ ليسَ مُلْزِمًا، فلا يكونُ الإِنكارُ عليهِ واجبًا. بخِلافِ الإِمامِ والحاكمِ؛ فإنَّ قولَهما مُلْزِمٌ، فيكونُ إنكارُهُ واجبًا، فلا يُظَنُّ بأهلِ العلْمِ تَرْكُ الإِنكارِ الواجبِ.

(وقولُ الواحدِ مِن الصحابةِ ليسَ بِحُجَّةٍ في القولِ الجديدِ، وفي القديمِ حُجَّةٌ) .

ذِكْرُ الواحدِ مِن الصحابةِ ليسَ قَيْدًا؛ فإنَّ الخِلافَ في الواحدِ والاثنيْنِ والثلاثةِ، والقَصْدُ في أنَّ الْخِلافَ جارٍ فيما لمْ يُجْمِعُوا عليهِ، وذلكَ إذا قالَ الواحدُ أو الاثنانِ مِن الصحابةِ قَوْلًا ولمْ يَنْتَشِرْ بحيثُ يَبْلُغُ الباقينَ، ولمْ يُعْلَمْ لهُ مخالِفٌ، فهلْ هوَ حُجَّةٌ أمْ لا؟ قالَ في القديمِ: إنَّهُ حُجَّةٌ يُقَدَّمُ على القياسِ. ويُحْكَى هذا عنْ بعضِ أصحابِ أبي حَنيفةَ. ومِنْ دليلِ هذا القولِ ما يُرْوَى أنَّهُ عليهِ السلامُ قالَ: (( أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بَأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ ) )، وقالَ: (( اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ) )، وقال: (( عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) )، وفي الصحيحِ: (( خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) ). والقولُ الجديدُ، وهوَ الصحيحُ، أنَّهُ ليسَ حُجَّةً؛ أيْ: لا يَجِبُ تقليدُ الصحابيِّ في قولِهِ، بلْ يَجِبُ على المجتَهِدِ الاجتهادُ في أقوالِهم، كغيرِهم مِن العلماءِ. ودليلُ ذلكَ أنَّ قولَ الصحابِيِّ إذا لمْ يُسْنِدْهُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ كانَ اجتهادَ عالِمٍ، يَجوزُ إقرارُهُ على الخطأِ، فلمْ يَجُزْ تقليدُهُ كغيرِهِ مِن العلماءِ. وأمَّا الأحاديثُ المذكورةُ فإنَّها مَحمولةٌ على اتِّباعِهم في أَصْلِ الدِّينِ، وما نَقَلُوهُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وما أَجْمَعوا عليهِ، أوْ ما قالَهُ بعضُهم وانْتَشَرَ ولمْ يُنْكِرْهُ الباقونَ معَ عِلْمِهم بهِ. وأمَّا قولُ أحدِهم عن اجتهادِهِ فلا يَجِبُ تقليدُهُ فيهِ، بلْ قَضِيَّةُ الأحاديثِ المذكورةِ في الأمرِ باتِّبَاعِهم الاجتهادَ في مَواضِعِ الاجتهادِ؛ فإنَّ جماعةً مِن التابعينَ كالحَسَنِ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ كانوا يَجتهدونَ في أيَّامِ الصحابةِ ويُفْتُونَ، وهم لا يُنْكِرونَ عليهم، فعُلِمَ أنَّ مِنْ سُنَّتِهم تَرْكَ التقليدِ والأخْذَ بالاجتهادِ، ولوْ وَجَبَ تقليدُهم لأَنْكَروا على مَنْ يَجتَهِدُ في زمانِهم مِن التابعينَ معَ عِلْمِهِ بأقوالِهم. وقالَ ابنُ بَرْهَانٍ:"الحقُّ الْمُبينُ أنَّ الصحابِيَّ إنْ قالَ قَوْلًا يُخالِفُ القياسَ كانَ حُجَّةً، وإنْ قالَ قولًا لا يُخالِفُ القياسَ لمْ يكُنْ حُجَّةً"، واحتَجَّ بأنَّ قولَ الصحابيِّ المخالِفِ للقياسِ لا يَجوزُ أنْ يكونَ إلَّا عنْ تَوْقِيفٍ مِن الشارعِ صِيانةً للصحابِيِّ عن التَّحَكُّمِ في الدِّينِ. وهذا القولُ الذي اختارَهُ مَحْكِيٌّ عنْ بعضِ أصحابِ أبي حَنيفةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، واحْتَجَّ في ذلكَ بأنَّ أبا حَنيفةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت