الصفحة 38 من 53

رضِيَ اللَّهُ عنهُ قَدَّرَ الجُعْلَ في رَدِّ الآبِقِ بأربعينَ دِرْهمًا لأثَرٍ عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ في ذلكَ. واحتَجَّ ابنُ بَرْهَانٍ بأنَّ الشافعيَّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ غَلَّظَ الدِّيَةَ بالأسبابِ الثلاثةِ، يعني: الْمَحْرَمِيَّةِ والحَرَمِ والأشهُرَ الْحُرُمِ، بأقْضِيَةِ الصحابةِ. وهذا القولُ ضعيفٌ مِنْ وجهيْنِ:

أحدُهما: الاستقراءُ لأقوالِ الصحابةِ؛ فإنَّ المردودَ منها ممَّا لمْ يُوافِق القياسَ كثيرٌ، مثلُ: قولُ عائشةَ في مسألةِ الْعِينَةِ رَدَّهُ الشافعيُّ، وقولُ ابنِ عمرَ في نَقْضِ الوُضوءِ بلَمْسِ الزوجةِ رَدَّهُ أبو حَنِيفَةَ، وأمثالُ ذلكَ كثيرٌ لِمَن استَقْرَأَهُ.

والوجهُ الثاني: أنَّ العُمدةَ في هذا القولِ حَصْرُ مُستَنَدِ قولِ الصحابيِّ في التوقيفِ والقياسِ، وهذا الحصْرُ ممنوعٌ؛ فإنَّ أبوابَ الاجتهادِ غيرُ القياسِ يَصِحُّ أنْ يكونَ مسْتَنَدًا، مثلُ: التقديمِ والتأخيرِ والعمومِ والتخصيصِ ونحوِ ذلكَ. ويَصِحُّ أنْ يكونَ مُسْتَنَدُ قولِ الصحابِيِّ ما يَراهُ مُسْتَنَدًا عندَهُ ولا يُوافَقُ عليهِ، مثلُ: اعتقادِ أبي ذَرٍّ أنَّ التقَلُّلَ مِن الدُّنيا بحيثُ يكونُ أحدُهم على حَدِّ ما كانَ عليهِ في أيَّامِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ واجبٌ. وإذا لمْ يَنحصِرْ مُسْتَنَدُ قولِ الصحابِيِّ في التوقيفِ والقياسِ جازَ مخالفَتُهُ وإنْ خالَفَ القِياسَ؛ فإنَّهُ صارَ كغيرِهِ مِن العُلماءِ. ولوْ كانَ الحكْمُ بالأفضلِيَّةِ والعلُوِّ في المنزِلَةِ يُوجِبُ على مَنْ دُونَ المفضَّلِ تَقليدَ المُفَضَّلِ لَزِمَ أنْ يَجِبَ تقليدُ التابعينَ على مَنْ بعدَهم لكونِهم مِن القرْنِ الثاني المشهودِ لهُ بالفضيلةِ على مَنْ بعدَهُ، وكذلكَ كانَ يَجِبُ على أهلِ القرنِ الرابعِ تقليدُ القرْنِ الثالثِ؛ فإنَّ القرْنَ الثالثَ مَشهودٌ بفَضلِهِ على القرْنِ الرابعِ. ولا قائلَ بذلكَ.

(أمَّا الأخبارُ، فالخبَرُ ما يَدْخُلُهُ الصدْقُ والكذِبُ) .

هذا رسْمٌ قديمٌ للخبرِ، وهوَ مَدخولٌ مِنْ جِهةِ أنَّ الصدْقَ والكذِبَ نوعانِ للخبَرِ، والخبرَ جِنْسٌ لهما؛ فإنَّكَ تقولُ: الخبرُ يَنقسِمُ إلى الصادِقِ والكاذبِ، ومَوْرِدُ التقسيمِ مُشترَكٌ بينَ القسميْنِ، فالصِّدْقُ أَحَدُ نَوْعَي الخبرِ، والكذِبُ كذلكَ، وتعريفُ الجنْسِ بالنوعِ مُمْتَنِعٌ؛ لأنَّ ذلكَ يُؤَدِّي إلى تعريفِ الشيءِ بما هوَ أَخْفَى منهُ، فإنَّ النوعَ لا يُعْرَفُ إلَّا بعدَ مَعرِفةِ الجنْسِ. وممَّا يُورَدُ على هذا الرَّسْمِ أنَّ مِن الأخبارِ ما لا يكونُ إلَّا صِدْقًا: كأخبارِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ومِن الأخبارِ ما لا يكونُ إلَّا كَذِبًا: كقولِ مَنْ قالَ: النَّقِيضَانِ يَجتمعانِ، والجزءُ أَعْظَمُ مِن الكلِّ. فلوْ كانَ قَبولُ الصدْقِ والكذِبِ داخلًا في حقيقةِ الخبَرِ، خرَجَ هذانِ القِسمانِ عن الْخَبَرِيَّةِ؛ فإنَّ قَبولَ الصدْقِ والكذِبِ مَسلوبٌ عنهما؛ لأنَّ أحدَهما واجبُ الصدْقِ يَمتنِعُ عليهِ قَبولُ الكذِبِ، والآخرَ بعَكْسِ ذلكَ، واجبُ الكذِبِ مُمْتَنِعٌ عليهِ قَبولُ الصدْقِ.

وكذلكَ قَوْلُ مَنْ قالَ: الخبَرُ ما يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ صادقًا أوْ كاذبًا.

والصحيحُ أنَّ الخبَرَ غَنِيٌّ عن التعريفِ بالرَّسْمِ؛ فإنَّ كلَّ عاقلٍ يَجِدُ في نفسِهِ فَرْقًا بينَ قَوْلِ القائلِ: (قامَ زيدٌ) ، وبينَ قولِهِ: (قُمْ يا زَيْدُ) ، ويُجِيبُ كلَّ واحدٍ مِن الكلامَيْنِ بغيرِ ما يُجيبُ بهِ الآخَرَ، ولا يُحتاجُ في إدراكِ هذهِ التَّفْرِقَةِ إلى تَعَلُّمِ رَسْمِ الخبَرِ ورَسْمِ الأمْرِ، فلولا أنَّ حقيقةَ كلِّ واحدٍ منهما معلومةٌ بالبَدِيهَةِ، وإلَّا لمْ تَحْصُلْ هذهِ التَّفْرِقَةُ بينَهما، وَلَتَوَقَّفَ ذلكَ على مَعرِفَةِ رَسْمِ كلِّ واحدٍ منهما.

(والأخبارُ تَنْقَسِمُ إلى آحادٍ ومُتواترٍ، فالمتواتِرُ ما يُوجِبُ العلْمَ، وهوَ أنْ يَرْوِيَ جماعةٌ لا يَقَعُ التَّوَاطُؤُ على الكذِبِ مِنْ مِثْلِهم إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى الْمُخْبَرِ عنهُ، ويكونُ في الأصلِ عنْ مُشاهَدَةٍ أوْ سَمَاعٍ لا عن اجتهادٍ) .

دليلُ انقسامِ الخبرِ إلى ما ذُكِرَ أنَّ الخبَرَ إمَّا أنْ يُفيدَ العلْمَ بِمُخْبَرِهِ أوْ لا يُفيدَهُ، والأوَّلُ المتواتِرُ، والثاني آحادٌ. وقالَ غيرُهُ: الخبرُ يَنقسِمُ إلى مُتواتِرٍ ومُستفيضٍ وآحادٍ. فالمتواتِرُ ما يُفيدُ العلْمَ، والمُسْتَفِيضُ ما اشْتُهِرَ ولمْ يَبْلُغ التواتُرَ، والآحادُ ما ليسَ كذلكَ؛ أيْ: ليسَ مُشْتَهِرًا ولا مُفيدًا للعلْمِ. وليسَ هذا التقسيمُ مُناقِضًا للأَوَّلِ؛ فإنَّ المستفيضَ بهذا التفسيرِ داخلٌ في قِسمِ الآحادِ. وأصلُ التواتُرِ في كلامِ العربِ أنْ يَجيءَ الشيءُ وَقْتًا بعدَ وقتٍ، يُقالُ: تواتَرَت الخيلُ، إذا جاءَتْ دُفْعَةً بعدَ دُفْعَةٍ، ومنهُ قولُهم: فَعَلَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت