فهرس الكتاب
تَارَاتٍ؛ أيْ: في أوقاتٍ مختلِفَةٍ. وهوَ مُستعمَلٌ في عُرْفِ الأُصولِيِّينَ بمعنى التَّوَاصُلِ الذي لا انقطاعَ فيهِ. ولَمَّا كانَ حُصولُ العلْمِ لازمًا للخبَرِ المتواتِرِ لمْ يَكْتَفِ بقولِهِ: (ما يُوجِبُ العلْمَ) ، رَسْمًا للخبَرِ المتواتِرِ، بلْ أشارَ إلى حقيقتِهِ بقولِهِ: (وهوَ أنْ يَرْوِيَ جماعةٌ لا يَقَعُ التَّوَاطُؤُ على الكذِبِ مِنْ مِثْلِهم) . وفي قولِهِ: (المُتَواتِرُ ما يُوجِبُ العلْمَ) ، إشارةٌ إلى بُطْلانِ قولِ مَنْ زَعَمَ مِن الحُكَمَاءِ أنَّ الْخَبَرَ لا يُفيدُ العلْمَ، ودَلِيلُ بُطلانِ العلْمِ بالمُدْرَكِ بأَحَدِ الحواسِّ الخمسةِ وببَدِيهَةِ النظَرِ. ولمْ يَتَعَرَّضْ إلى أنَّ العلْمَ الحاصلَ بالخبَرِ المتواتِرِ ضَروريٌّ أوْ نَظَرِيٌّ، والمشهورُ أنَّهُ ضَرورِيٌّ، وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّهُ نَظَرِيٌّ. وهوَ باطلٌ بحصولِ العلْمِ لِمَنْ لهُ أَهْلِيَّةُ النظَرِ ولمَنْ ليسَ لهُ أهليَّةُ النظَرِ. وفي كلامِهِ أيضًا إشارةٌ إلى أنَّ الخبَرَ المتواتِرَ لا يَتعلَّقُ بعَددٍ محصورٍ، بلْ إذا حَصَلَ العلْمُ عُلِمَ كمالُ عددِ التواتُرِ، وإذا لمْ يَحْصُلْ عُلِمَ أنَّهُ لمْ يَكْمُلْ. وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّهُ يَتعلَّقُ بعددٍ محصورٍ. ثمَّ اخْتَلَفُوا، فقالَ قومٌ: العددُ الذي يكونُ خَبَرُهم مُتواتِرًا سبعونَ، وتَعَلَّقُوا بأنَّ ذلكَ عددُ المختارِينَ في قولِهِ تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} .
وقالَ آخَرونَ: اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ تَعَلُّقًا بأنَّ ذلكَ عددُ نُقَبَاءِ بني إسرائيلَ في قولِهِ: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} . وقالَ بعضُهم: خمسةٌ؛ لأنَّ الأربعةَ أَكْثَرُ ما اشْتُرِطَ في نِصابِ الشَّهادةِ، والشَّهادةُ تُوجِبُ الظَّنَّ، فالزيادةُ عليها تُوجِبُ العلْمَ. وقالَ آخَرُونَ، هوَ أَكْثَرُ ما قيلَ في عددِ التواتُرِ: إنَّهُ ثلاثُمِائَةٍ وثلاثةُ عَشَرَ رَجُلًا، عددُ أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يومَ بَدْرٍ. وهذهِ كُلُّها أقوالٌ ضَعيفةٌ؛ فإنَّ العددَ المشروطَ فيها قدْ يَتَحَقَّقُ صُدُورُ الخبَرِ عنهُ ولا يَحْصُلُ العلْمُ بِمُخْبَرِهِ، وأيضًا فما مِنْ عددٍ مِنْ هذهِ الأعدادِ إلَّا يُجِيزُ العقلُ عليهم التَّوَاطُؤَ على الكذِبِ، فعُلِمَ أنَّهُم لمْ يَبْلُغوا حَدَّ التواتُرِ. وشَرْطُ إفادةِ الخبرِ المتواتِرِ العِلْمَ: أنْ يَنْتَهِيَ إلى مُدْرَكٍ بالحسِّ؛ كالإِخْبارِ عنْ مشاهَدَةِ بلدٍ أوْ شَخْصٍ أوْ سَمَاعِ خبرٍ صادقٍ، فلو انْتَهَى إلى الإخبارِ عنْ مُجْتَهِدٍ فيهِ لمْ يُفِد العلْمَ؛ ولهذا لوْ أَخْبَرَ الخَلْقُ الكثيرُ والجَمُّ الغفيرُ عنْ حُدوثِ العالَمِ لمْ يُوجِبْ ذلكَ العلْمَ لسامعِهِ، بلْ لا يَحْصُلُ العلْمُ بذلكَ وأمثالِهِ إلَّا بالنظَرِ في الدليلِ الْمُفْضِي إليهِ.
وقولُهُ: (عنْ مُشاهَدَةٍ أوْ سَمَاعٍ) ؛ يعني: عنْ أمْرٍ مُدْرَكٍ بالحِسِّ؛ فإنَّ المشاهَدَةَ هيَ الإدراكُ بحاسَّةِ البصَرِ، [والسَّمَاعَ الإدراكُ بحاسَّةِ السمْعِ] .
وإذا تَنَاقَلَ الرُّواةُ الخبَرَ المتواتِرَ فشَرْطُ كونِهِ مُفيدًا للعلْمِ أنْ يكونَ كُلُّ طَبقةٍ مِنْ طَبقاتِ الْمُخْبِرينَ لا يَجُوزُ عليهم التواطُؤُ على الكذِبِ، وهذا معنى قولِهم: يُشْتَرَطُ في التواتُرِ استواءُ الطرفيْنِ والوَسَطِ، فلوْ لمْ تَكُنْ بعضُ الطَّبَقاتِ كذلكَ خَرَجَ الخبَرُ عنْ كونِهِ مُتواترًا.
وقدْ أُدْرِجَ في الخبَرِ المتواتِرِ قِسْمٌ يُسَمَّى تَواتُرًا مَعْنَوِيًّا، وهوَ ما إذا جاءَتْ أخبارٌ كُلُّها آحادٌ مُتَّفِقَةُ الخبَرِ بحيثُ تَتوارَدُ على مُخْبِرٍ واحدٍ: كالأَخْبَارِ في سَخَاوَةِ حاتمٍ؛ فإنَّ العلْمَ بها إنَّما طريقُهُ المفهومُ مِنْ جُملةِ أخبارِ الآحادِ الواردةِ بما يُفيدُ ذلكَ. ولا شَكَّ أنَّ [أخبارَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ تُوجِبُ العلْمَ، وكذلكَ] أخبارُ اللَّهِ سُبحانَهُ وتعالى على لسانِ نَبِيِّهِ، وأخبارُ المُخْبِرِ بحَضْرَةِ الرسولِ [إذا لمْ يُنْكِرْهُ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ] . فإنْ فُسِّرَ المتواتِرُ بما يُوجِبُ العلْمَ كانتْ هذهِ الأقسامُ داخلةً في جملةِ الأخبارِ المتواترةِ، [وإنْ فُسِّرَ باجتماعِ جَمْعٍ مِن المُخْبِرِينَ لا يَجوزُ عليهم الكذِبُ خَرَجَتْ هذهِ الأقسامُ عنْ جُملةِ الأخبارِ المتواترةِ] ، فقدْ جَعَلَها بعضُهم مِنْ أقسامِ أخبارِ الآحادِ، وجَعَلَ أخبارَ الآحادِ قِسمَيْنِ: ما يُفيدُ العلْمَ وهوَ هذهِ الأخبارُ، وما لا يُفيدُ وهوَ غيرُها مِنْ أخبارِ الآحادِ. وسِياقُ كلامِهِ هنا يَقتضِي جَعْلَ هذا النوعِ قِسْمًا ثالثًا غيرَ المتواتِرِ والآحادِ؛ فإنَّ ما ذَكَرَهُ في حَدِّ التواتُرِ منْ أخبارِ جَمْعٍ لا [يَجوزُ أنْ] يَقَعَ التواطُؤُ على الكذِبِ مِنْ مِثْلِهم يُخْرِجُ هذهِ الأخبارَ، وما ذَكَرَهُ في رَسْمِ أخبارِ الآحادِ يُخْرِجُ هذهِ الأخبارَ أيضًا على أنْ يكُونَ منهما؛ فإنَّهُ قالَ:
(والآحادُ هوَ الذي يُوجِبُ العملَ ولا يُوجِبُ العلْمَ)