فهرس الكتاب
وفي هذا الرسْمِ نَظَرٌ؛ فإنَّ وُجوبَ العملِ بخبرِ الآحادِ غيرُ داخلٍ في حقيقتِهِ، بلْ هوَ حُكْمٌ مِنْ أحكامِهِ استُفيدَ مِنْ دليلٍ خارجٍ عنهُ، فلو اقْتَصَرَ على أنَّ الآحادَ ما لا يُوجِبُ العلْمَ كَفَاهُ ذلكَ؛ فإنَّ كلَّ خَبَرٍ لا يُفيدُ العلْمَ هوَ خَبَرُ واحدٍ، وليسَ المرادُ بخَبَرِ الواحدِ ما لا يَرْوِيهِ إلَّا واحدٌ عنْ واحدٍ، بلْ خَبَرُ العشرةِ عَن العشرةِ، وهكذا، يُقالُ لهُ: خَبَرُ واحدٍ، وهوَ في حُكْمِ خبرِ الآحادِ. وأمَّا الدليلُ على وُجوبِ العملِ بأخبارِ الآحادِ فقدْ سَلَكَ العُلماءُ فيهِ مَسالِكَ؛ أَجْوَدُها أنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم كانوا يَفْزَعُونَ في الوقائعِ على رواياتِ الآحادِ، وكَثُرَ ذلكَ مِنهم واشْتُهِرَ مِنْ غيرِ إنكارِ أحَدٍ منهم لذلكَ، فصارَ إجماعًا على قَبولِ خَبرِ الواحدِ ووُجوبِ العملِ بهِ، فمِنْ ذلكَ: رُجُوعُهم إلى رِوَايَةِ عائشةَ في وُجوبِ الغُسْلِ بالْجِماعِ مِنْ غيرِ إِنْزَالٍ، وأَخَذُوا في توريثِ الْجَدَّةِ بروايَةِ الْمُغيرةِ ومُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ، وفي قَضِيَّةِ الطاعونِ بروايَةِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وكذلكَ ضَرْبُ الجِزْيَةِ على الْمَجوسِ أَخَذُوا برِوَايَتِهِ، وذلكَ كثيرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَهُ. وكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يُرْسِلُ إلى القبائلِ والجهاتِ الواحدَ والاثنَيْنِ فتَقومُ الْحُجَّةُ عليهم بذلكَ، ولولا أنَّ خَبَرَ الواحدِ يُوجِبُ العملَ لَمَا قَامَت الْحُجَّةُ عليهم. وأمَّا أنَّهُ لا يُوجِبُ العلْمَ؛ فلأنَّ الواحدَ يَجوزُ عليهِ الكذِبُ والسهْوُ والتَّقِيَّةُ، وأنْ يُخْبِرَ بالشيءِ على وَفْقِ ظَنِّهِ الكاذبِ، ومعَ تَطَرُّقِ هذهِ الأمورِ يَمْتَنِعُ حُصولُ العلْمِ. وعنْ بعضِ أهلِ الحديثِ أنَّ خَبَرَ الواحدِ يُفيدُ العلْمَ، ورُبَّمَا نُسِبَ ذلكَ إلى الإمامِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ. وقال قَوْمٌ: ما في الصحيحيْنِ البخاريِّ ومُسْلِمٍ معلومٌ ومقطوعٌ بهِ، وكلُّ هذا إنْ أُطْلِقَ على سبيلِ المجازِ لإرادةِ الظنِّ الغالبِ فصحيحٌ، وإنْ أُريدَ بهِ العلْمُ الذي لا يَقبلُ التشكيكَ فهوَ باطلٌ؛ فإنَّ خبرَ الواحدِ بِمُجَرَّدِهِ لا يُوجِبُ الجزْمَ المانعَ مِن النقيضِ، وما في الصحيحَيْنِ مُتَلَقًّى بالقَبولِ؛ فلذلكَ ظُنَّ أنَّهُ مَقطوعٌ بهِ، وإلَّا فالإنسانُ يَجِدُ فَرْقًا بينَ ما يُرْوَى عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مِنْ عددِ الصَّلَوَاتِ مِن الأخبارِ، ولوْ كانَ جميعُ ما خَرَّجَاهُ في صحيحَيْهِمَا مَعلومًا لكَانَا مَعصومَيْنِ، ولمْ يَقُلْ أحدٌ بعِصْمَتِهِما.
(ويَنْقَسِمُ إلى مُرْسَلٍ ومُسْنَدٍ؛ فالْمُسْنَدُ: ما اتَّصَلَ إسنادُهُ، والمُرْسَلُ إنْ كانَ مِنْ مَراسيلِ غيرِ الصحابةِ فليسَ بِحُجَّةٍ، إلَّا مَراسيلَ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ؛ فإنَّها فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مَسانيدَ) .
أصلُ الإسنادِ في اللغةِ إسنادُ أحدِ الجسمَيْنِ إلى الآخَرِ، ثمَّ استُعْمِلَ أحَدُ الجسمَيْنِ إلى الآخَرِ، ثمَّ استُعْمِلَ في المعاني، فقيلَ: أَسْنَدَ فُلانٌ الخبرَ إلى فُلانٍ، إذا عَزَاهُ إليهِ أوْ تَلَقَّاهُ منهُ. ثمَّ اسْتَعْمَلَ المُحَدِّثونَ الإسنادَ بمعنى روايَةِ الشخْصِ عن الشخصِ إلى أَصْلِ الخبرِ.
والإِرْسَالُ: الإطلاقُ، فكأنَّ مَنْ لمْ يُسَمِّ مَنْ رَوَى عنهُ لمْ يُقَيِّدْ ما نَقَلَهُ مِن الخبرِ بلْ أَطْلَقَهُ. والدليلُ على انقسامِ الخبَرِ إلى المُرْسَلِ والمُسْنَدِ، أنَّ الرواةَ لا يَخْلُو إمَّا أنْ يُسَمِّيَ بعضُهم بعضًا حتَّى تَنتهيَ الروايَةُ إلى أَصْلِها أوْ لا، والأوَّلُ هوَ المسنَدُ، والثاني هوَ المرسَلُ. وهذا التقسيمُ هوَ المذكورُ في الأصولِ وهوَ اللائقُ بها؛ فإنَّ المقصودَ بيانُ الكلامِ فِيمَا يُقْبَلُ مِن الإسنادِ وما يُرَدُّ بسببِ علْمِ الرُّوَاةِ والجهْلِ بهم، فلا فَرْقَ بينَ تابِعِي التابعيِّ [والنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، أوْ بينَ تَابِعِي التابعيِّ] وبينَ الصحابِيِّ، أوْ بينَ رَجُلَيْنِ مِن الإسنادِ كيفَ كانَ ذلكَ إلى حينِ بُلُوغِهِ إلينا، وكذلكَ لوْ كانَ المجهولُ مِن الرُّوَاةِ أكثرَ مِنْ واحدٍ.
ولأهلِ الحديثِ في هذا مَزِيدُ تَقسيمٍ، فإنَّهُم يُطْلِقونَ المُرْسَلَ على ما ذَكَرَهُ التابعِيُّ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ ولم يُسَمِّ مَنْ سَمِعَ منهُ، ويُسَمُّونَ ما لمْ يُسَمَّ أَحَدُ رجالِهِ في غيرِ هذهِ الصُّورَةِ مُنْقَطِعًا، ورُبَّما خَصُّوا ما تَرَكَ مِنْ رُوَاتِهِ تَسميَةَ أكثرَ مِنْ واحدٍ باسمٍ آخَرَ. ولا يَقْدَحُ فيما اعتَمَدَهُ الأُصولِيُّونَ الإخلالُ بشيءٍ مِنْ ذلكَ؛ فإنَّ حظَّ الأُصُولِيِّينَ تَمييزُ الخبرِ المقبولِ مِنْ غيرِ المقبولِ، وذلكَ يَحْصُلُ ببيانِ القِسمَيْنِ المذكورَيْنِ: المُسْنَدِ والمُرْسَلِ. وقدْ فُسِّرَ المُسْنَدُ في الكتابِ بما اتَّصَلَ إسنادُهُ. وفيهِ نَظَرٌ؛ فإنَّ المُسْنَدَ اسمُ مفعولٍ مِنْ أَسْنَدَ، ومَنْ لا يَعْرِفُ الْمَصدرَ لا يَعرِفُ اسمَ المفعولِ مِنْ ذلكَ المَصْدَرِ، فإنَّ مَنْ لا يَعرِفُ اسمَ الضرْبِ لا يَعرفُ