فهرس الكتاب
المضروبَ، فكان الواجبُ تَعريفَ الإسنادِ أوَّلًا ثمَّ تعريفَ المُسْنَدِ بهِ. وقدْ ذَكَرْنا أنَّ الإسنادَ: نَقْلُ الرُّوَاةِ بعضِهم عنْ بعضٍ إلى انتهاءِ الروايَةِ. وذَكَرَ حُكْمَ المُرْسَلِ ولمْ يُبَيِّنْ حقيقتَهُ، وقدْ ذَكَرْنا أنَّهُ الذي لمْ يُسَمَّ بعضُ رُوَاتِهِ.
ومَراسيلُ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم مَقبولةٌ؛ فإنَّ الصحابِيَّ إمَّا أنْ يَسْمَعَ مِن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، أوْ مِنْ صحابِيٍّ مِثلِهِ، والصحابةُ مَقطوعٌ بِعَدَالَتِهم، فلا يَتَطَرَّقُ إلى روايَةِ الصحابِيِّ قَدْحٌ. وقدْ روى ابنُ عبَّاسٍ أحاديثَ، ويُقالُ: أَرْبَعَةَ أحاديثَ، ورُوِيَ عنهُ أوْ عنْ غيرِهِ مِن الصحابةِ أنَّهُ قالَ:"ليسَ كُلُّ مَا نُحدِّثُكَ بهِ سَمِعْناهُ مِنْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ". وأمَّا مَراسيلُ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ فقد اشْتُهِرَ أنَّها حُجَّةٌ عندَ الشافعيِّ رضِيَ اللَّهُ عنهُ، وعَلَّلَهُ في الكتابِ بأنَّها فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مَسانيدَ. وفي هذا التعليلِ نَظَرٌ؛ فإنَّها إذا ظَهَرَتْ مُسْنَدَةً كانَ الاحتجاجُ بالمُسْنَدِ لا بالْمُرْسَلِ؛ فاستثناؤُها مِنْ جملةِ الْمَراسيلِ مُسْتَدْرَكٌ على هذا التقديرِ. والتحقيقُ أنَّ مَراسيلَ سعيدٍ كغيرِهِ، وإنَّما قالَ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ:"إِرْسَالُ سعيدٍ عندَنا حَسَنٌ"، ولا يَلْزَمُ مِنْ هذا أنْ يكونَ حُجَّةً، وإنَّما اسْتَحْسَنَها؛ لأنَّ سعيدًا لا يَكادُ يُرْسِلُ إلَّا عنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهُ؛ فإنَّهُ صِهْرُهُ، فهوَ يُرْسِلُ عَمَّنْ لوْ سَمَّاهُ كانَ مَقبولًا. بخِلافِ غيرِهِ؛ فإنَّهُ يُرْسِلُ عمَّنْ لوْ سَمَّاهُ لمْ يُقْبَلْ. واستقراءُ مَذهبِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ يَدُلُّ على أنَّهُ إنَّما احْتَجَّ بما وَجَدَهُ مُسْنَدًا مِنْ مَراسيلِ سعيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ، مثلُ حديثِ: بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، جاءَ مُرْسَلًا وجاءَ مُسْنَدًا عنْ سعيدٍ عنْ أبي هُريرةَ. [فأمَّا ما يُرْسِلُهُ سعيدٌ] ولا يُوجَدُ مُسْنَدًا، فليسَ بِحُجَّةٍ، بلْ هوَ كغيرِهِ مِن الْمَراسيلِ.
وقد اختلَفَ العلماءُ في قَبولِ المُرْسَلِ والاحتجاجِ بهِ، فعنْ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، أنَّ المرسَلَ حُجَّةٌ، واحتُجَّ لِمَذْهَبِهِما بأنَّ العدْلَ إذا رَوَى حَدِيثًا ولمْ يُسَمِّ مَنْ رَوَى عنهُ كانَ ذلكَ تَعديلًا لِمَنْ رَوَى عنهُ؛ فَإِنَّهُ لا يُظَنُّ بالعَدْلِ التغريرُ بالروايَةِ عنْ غيرِ مَقبولٍ، وبأنَّ العُلماءَ في العصْرِ الأوَّلِ ما زَالُوا يُرْسِلونَ الأحاديثَ *ويَحْتَجُّونَ بها على الناسِ منهم ذلكَ، وقدْ كَثُرَ الإرسالُ مِنْ عُلماءِ التابعينَ مِثلِ الحسَنِ البَصريِّ والشَّعبِيِّ الرواةِ* [1] . وقالَ عيسى بنُ أَبَانٍ:"مَراسيلُ التابعينَ وتابِعِي التابعينَ مَقبولةٌ، ومَراسيلُ غيرِهم لا تُقْبَلُ، إلَّا أنْ يكونَ الْمُرْسِلُ إمامًا". وقالَ ابنُ بَرْهَانٍ:"إنْ كانَ الإرسالُ صادرًا مِمَّنْ يُخالِفُ* مَذْهَبَنا في الْجَرْحِ والتعديلِ قَبِلْنَاهُ، وإنْ كانَ صادرًا مِمَّنْ يُخالِفُ* [2] مَذْهَبَنا في الْجَرْحِ والتعديلِ لمْ نَقْبَلْهُ".
والمشهورُ مِنْ مَذْهَبِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن الْمَنْعِ مِنْ قَبولِ الْمُرسَلِ مُطْلَقًا، إلَّا مَراسيلَ الصحابةِ كما تَقَدَّمَ.
(والْعَنْعَنةُ تَدْخُلُ على الإسنادِ)
والعَنْعَنَةُ: مَصدرُ عَنْعَنَ الحديثَ يُعَنْعِنُهُ، إذا رَواهُ بكَلِمَةِ: عنْ فُلانٍ. ومعنى دُخولِ العَنْعَنَةِ على الإسنادِ أنَّها لا تَخْرُجُ مِن الإسنادِ إلى الإِرْسَالِ، بلْ إذا قالَ الرَّاوِي: عنْ فُلانٍ، وكانَ مِمَّنْ يُمْكِنُ لِقاؤُهُ لذلكَ الذي رَوَى عنهُ، كانَ ذلكَ الحديثُ مُسْنَدًا. وقالَ قومٌ: خَبَرُ الْعَنْعَنَةِ في حُكْمِ الْمُرْسَلِ؛ لأنَّ الراويَ لمْ يُصَرِّحْ بالسماعِ مِمَّنْ رَوَى عنهُ، فصارَ في معنى الْمُرْسَلِ، فإنَّهُ يَجوزُ أنْ يكونَ سَمِعَهُ مِنْ شخصٍ غيرِ الْمُسَمَّى فيكونُ في الإسنادِ رجُلٌ مجهولٌ. والأجوَدُ أنَّ الراوِيَ إذا لمْ يكُنْ مُدَلِّسًا كانتْ عَنْعَنَتُهُ إسنادًا. وإنْ كانَ مُدَلِّسًا، والذي رَوَى عمَّنْ لمْ يَسْمَعْ منهُ مَوْهُومًا أنَّهُ قدْ سَمِعَ منهُ فهذا لا تُقْبَلُ عَنْعَنَتُهُ. وقد اخْتَلَفوا في كَوْنِ
(1) ما بينَ العلامتَيْنِ مُضْطَرِبُ المعنى، ولعلَّ الاضطرابَ نشأَ منْ إِقْحَامِ كلمةِ (الرُّوَاةِ) في غيرِ موضِعِهَا الصحيحِ، واستقامةُ الكلامِ تكونُ على النَّحْوِ التالِي: (ويَحْتَجُّونَ بها على الناسِ الرُّوَاةِ منهم. ذلكَ وقدْ كَثُرَ الإِرْسَالُ مِنْ عُلماءِ التابعينَ مِثلِ الحسَنِ البَصريِّ والشَّعبِيِّ) .
(2) واضحٌ أنَّهُ يجبُ نفيُ أحدِ الفعلَيْنِ كيْ يستقيمَ المعنى، ولعلَّهُ الفعلُ الأوَّلُ، فَيُصْبِحُ الكلامُ: (مِمَّنْ لَا يُخَالِفُ ... قَبِلْنَاهُ) .