الصفحة 42 من 53

التدليسِ بالمعنى المذكورِ أوْ بذِكْرِ الشيخِ الذي يَرْوِي عنهُ بغيرِ ما يُعْرِفُ بهِ مِن اسمٍ أوْ نَسَبٍ؛ لِيُتَوَهَّمَ أنَّهُ غيرُ ذلكَ المشهورِ، هلْ يَقْدَحُ في الراوِي؟ فالأكثرونَ على أنَّهُ لا يَقْدَحُ؛ لأنَّهُ ليسَ فيهِ تَعَمُّدُ كَذِبٍ. ومِن الناسِ مَنْ قالَ: إنَّهُ يَقْدَحُ؛ لأنَّهُ إيهامٌ وإيقاعٌ فيما لا يَجوزُ. فإنَّ النوعَ الأوَّلَ مِن التَّدْلِيسِ يُوقِعُ مَنْ روى الْمُدَلَّسُ في نِسبةِ الْمُدَلِّسِ إلى أنَّهُ سَمِعَ مِمَّنْ روى عنهُ، وليسَ الأمرُ كذلكَ. والنوعُ الثاني مِن التدليسِ يُوقِعُ في ظَنِّ أنَّ الْمُسَمَّى شيخٌ غيرُ المشهورِ، وقدْ يكونُ ذلكَ المشهورُ ضَعيفًا، فإذا سُمِّيَ بغيرِ ما يُعْرَفُ بهِ ظُنَّ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْبَلُ حديثُهُ، وفي ذلكَ تغريرٌ، كما حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن النَّقَّاشِ أنَّهُ كانَ يَرْوِي عنْ مُحَمَّدِ بنِ يُوسفَ الرَّازِيِّ، وهوَ كَذَّابٌ، فيقولُ: عنْ مُحَمَّدِ بنِ طَرِيفٍ.

(وإذا قرأَ الشيخُ يَجوزُ للراوي أنْ يقولَ: حَدَّثَني وأَخْبَرَني، وإنْ قَرَأَ هوَ على الشيخِ فيقولُ: أَخْبَرَنا، ولا يقولُ: حَدَّثَنِي)

قراءةُ الشيخِ على الراوي حديثٌ لهُ وإخبارٌ وتَسميعٌ، فللرَّاوِي أنْ يقولَ: أَخْبَرَنا، وحَدَّثَنا، وسَمِعْتُهُ يقولُ؛ فإنَّهُ صادقٌ في جميعِ ذلكَ. وأمَّا إذا قَرَأَ الراوي على الشيخِ فإنَّهُ يقولُ: أَخْبَرَني، إذا سَمِعَ الشيخُ قِراءتَهُ وسَكَتَ؛ فإنَّ سُكوتَهُ إقرارٌ بسَماعِهِ؛ إذْ لوْ لمْ يكُنْ كذلكَ كانَ سُكُوتُهُ تَغْرِيرًا بالرَّاوِي عنهُ وتَجهيلًا لهُ، وذلكَ حَرامٌ يَقدَحُ في عَدالتِهِ.

قولُهُ: (ولا يقولُ: حَدَّثَنا) ، هذا هوَ المختارُ عندَ جماعةٍ مِنْ أهلِ الأصولِ تَعَلُّقًا بظَانٍّ حَدَّثَنِي صَرِيحًا في كَوْنِ المروِيِّ عنهُ مُحَدِّثًا، فهوَ فيما إذا قَرَأَ الراوي على الشيخِ كَذِبٌ، فلا يَجوزُ. وأجازَهُ بعضُهم وقالَ: الغرَضُ مِنْ أَخْبَرَنا وحَدَّثَنا واحدٌ؛ فإنَّ القَصْدَ حُصولُ العلْمِ بأنَّهُ رَوَى عنْ ذلكَ الشيخِ، فاللَّفْظَانِ سَواءٌ. ولوْ قالَ: حَدَّثَنِي قراءةً عليهِ، فيما قَرَأَهُ على الشيخِ كانَ جائزًا قولًا واحدًا؛ فإنَّهُ أَفْصَحُ بصورةِ الحالِ، وعُرْفُ أهلِ الحديثِ شاهدٌ بتسميَةِ القراءةِ على شيخٍ تَحْدِيثًا.

(وإنْ أَجازَ الشيخُ مِنْ غيرِ قِراءةٍ، فيَقولُ الراوي: أَجَازَنِي، أوْ أَخْبَرَنِي إِجازةً) .

هذا تَصريحٌ منهُ بجَوازِ الروايَةِ بالإجازةِ، وهذا قولُ المتأخِّرينَ. ونَصَّ جماعةٌ مِن الفُقهاءِ على أنَّ الروايَةَ بالإجازةِ لا تَجوزُ؛ لأنَّ الشيخَ لمْ يُخْبِرْهُ ولمْ يُحَدِّثْهُ، فلوْ قالَ: حَدَّثَنِي أوْ أَخْبَرَنِي، كَذِبَ، ولوْ قالَ: أَخْبَرَنِي إجازةً، كانَ الكلامُ مُتهافِتًا؛ فإنَّ الإخبارَ أنْ يُحَدِّثَهُ والإجازةَ أنْ لا يُحَدِّثَهُ، بلْ يَقْتَصِرُ على الإذنِ لهُ في الروايَةِ، والْجَمْعُ بينَ الأمرَيْنِ مُمْتَنِعٌ. وعُمدةُ مَنْ أجازَ الروايَةَ بالإجازةِ إِطْبَاقُ أهلِ الحديثِ على اعتمادِ السلَفِ الإجازةَ مِنْ غيرِ إنكارِ أحَدٍ منهم لها. وفي هذا نَظَرٌ؛ فإنَّ السلَفَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم لمْ يُجْمِعُوا على الإجازةِ، ولمْ تكُنْ مَشهورةً في الصَّدْرِ الأوَّلِ، وإنَّما كانَ اعتمادُهم على الروايَةِ. فالحادِثُ بعدَ ذلكَ مِن اتِّفاقِ المتأخِّرِينَ [لا حُجَّةَ فيهِ] ؛ فإنَّ الغالِبَ عليهم قَصْدُ عُلُوِّ الإسنادِ والتَّكَثُّرُ بالروايَةِ، لا تَحقيقُ طَرِيقِ النقْلِ. ثمَّ المختارُ عندَ القائلينَ بجَوازِ اعتمادِ الإجازةِ أنَّهُ لا يَجوزُ للراوي أنْ يقولَ فيها: أَخْبَرَنِي ولا حَدَّثَني مُطْلَقًا، بلْ مَقرونًا بقولِهِ: إجازةً. وأجازَ بعضُهم أنْ يقولَ: حَدَّثَنِي مُطْلَقًا، وهوَ ضعيفٌ، فإنَّهُ كَذِبٌ؛ لأنَّ مَنْ أجازَ لمْ يُحَدِّثْ. والأَوْلَى أنْ يقولَ: أَجازَنِي؛ [فإنْ ذَكَرَ أَخْبَرَنِي أوْ حَدَّثَني معَ قولِهِ، ففيهِ نَوْعُ تَنَافٍ] كما تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

(وأمَّا القياسُ: فهوَ رَدُّ الفرْعِ إلى الأصلِ في الحُكْمِ بعِلَّةٍ جامعةٍ تَجْمَعُهُما)

أصْلُ القِياسِ في اللغةِ التشبيهُ، ومنهُ قولُهم:"مَنْ قاسَ جَدَاوِلَكَ بِالْغَمامِ"؛ أيْ: مَنْ شَبَّهَ، وقولُهم:"يُقَاسُ المَرْءُ بالمَرْءِ"؛ أيْ: يُشَبَّهُ. ويُطْلَقُ على التقديرِ أيضًا، يُقَالُ: قِسْتُ الثوبَ فكانَ ذِرَاعًا؛ أيْ: قَدَّرْتَهُ؛ وذلكَ لأنَّ المتشابِهَيْنِ يَتقاربانِ في الْمِقدارِ بوَجْهٍ أوْ يَتساويانِ فيهِ. وقد اخْتَلَفَ العُلماءُ في رَسْمِ القِياسِ الشرعيِّ، وما ذَكَرَهُ هنا أقرَبُ الرُّسُومِ؛ فإنَّ مَنْ قالَ:"القِياسُ عِبارةٌ عن الاعتبارِ"، لمْ يَزِدْ على إبدالِ لفظٍ بلفظٍ، ولمْ يُشِرْ إلى معنى القِياسِ الشرعيِّ إلَّا على بُعْدٍ، مِنْ جِهةِ أنَّ الاعتبارَ افْتِعَالٌ مِن العُبُورِ وهوَ المجاوَزَةُ والعُبُورُ مِنْ شيءٍ إلى شيءٍ. فكذلكَ القِياسُ يَعْبُرُ مِنْ حُكْمِ الأَصْلِ إلى حُكْمِ الفرْعِ. ومَنْ قالَ:"القياسُ أَمارةٌ على الحكْمِ"، فقولُهُ ظاهرُ الفسادِ؛ لأنَّهُ ليسَ كُلُّ أَمارةٍ قِياسًا؛ فإنَّ ظنَّ تَنَاوُلِ النصِّ العامِّ للحكْمِ أَمارةٌ على الحكْمِ وليسَ قِياسًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت