الصفحة 43 من 53

ومَنْ قالَ:"القياسُ هوَ الاجتهادُ"، أَخطأَ مِنْ حيثُ فَسَّرَ الخاصَّ بالعامِّ؛ فإنَّ الاجتهادَ أعَمُّ مِن القياسِ، فإنَّ حَمْلَ العامِّ على الخاصِّ والمُطْلَقِ على المُقَيَّدِ مِنْ أنواعِ الاجتهادِ، وليسَ ذلكَ قِيَاسًا. وأمَّا الرسْمُ الذي هوَ اختيارُ القاضي أبي بكرٍ، أنَّ القِياسَ:"حمْلُ مَعلومٍ [1] في إثباتِ حُكْمٍ أوْ وَصْفٍ لَهُمَا أوْ نَفْيِهِ عنهما [بإثباتِ حُكْمٍ أوْ وَصْفٍ لهما أوْ نَفْيِهِ عنهما] "، فقد اختارَهُ الأئِمَّةُ مِنْ أهلِ الأُصولِ، وقالُوا: إنَّهُ جامعٌ مانعٌ؛ فإنَّ لفظَ المعلومِ يَشملُ الموجودَ والمعدومَ، فهوَ أَجوَدُ مِنْ قولِ مَنْ قالَ:"حَمْلُ شيءٍ على شيءٍ"، وقولُهُ: (في إثباتِ حُكْمٍ أوْ وَصْفٍ) ، الحكْمُ مِثْلُ قولِنا: التَّبْيِيتُ واجِبٌ في صوْمِ رمضانَ بالقياسِ على صَوْمِ الكَفَّارةِ بِجامِعِ اشتراكِهما في الوُجوبِ. والوصْفُ مِثلُ قولِنا: النَّبِيذُ نَجِسٌ؛ لأنَّهُ مُسْكِرٌ، فكانَ نَجِسًا قِياسًا على الْخَمْرِ، فأَثْبَتَ وَصْفَ النجاسةِ للنَّبيذِ بالقياسِ على الخمْرِ، وهذا راجعٌ إلى إثباتِ حُكْمٍ أيضًا. ولهذا لمْ يَذْكُر الإمامُ الغزاليُّ في هذا الرسْمِ الوصْفَ معَ الحكْمِ، بلْ قالَ: (حَمْلُ معلومٍ على معلومٍ في إثباتِ حُكْمٍ لهما) . والمطلوبُ مِن القياسِ قدْ يكونُ الإثباتَ كإيجابِ التَّبْيِيتِ مَثَلًا، وقدْ يكونُ النفيَ كعَدَمِ وُجوبِ الزكاةِ في الْحُلِيِّ؛ فلذلكَ قالَ: (أوْ نَفْيِهِ) ؛ ليَشملَ القياسَ الْمُفيدَ للإثباتِ والقياسَ المفيدَ للنفيِ. ثمَّ تَعَرَّضَ لتفصيلِ الجامعِ بينَ الأصلِ والفرْعِ بأنَّهُ قدْ يكونُ اشتراكُهما في حُكْمٍ، مِثلُ اشتراكِ الكَلْبِ الذي لا مَنفعَةَ فيهِ والْخِنزيرِ في تحريمِ الاقتناءِ، فقِياسُ الْخِنزيرِ على الكلْبِ في الحكْمِ بالنجاسةِ بجامِعِ اشتراكِهما في حُكْمٍ، وهوَ تحريمُ اقتنائِهما. وقدْ يكونُ اشتراكُهما في وَصْفٍ، مِثلُ اشتراكِ الخمْرِ والنبيذِ في الشدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، فقياسُ النبيذِ على الخمْرِ في الحكْمِ بالتحريمِ بجامِعِ اشتراكِهما في وَصْفٍ، وهوَ الشدَّةُ الْمُطْرِبَةُ. وقدْ يكونُ الجامعُ اشترَاكَهُما في انتفاءِ حُكْمٍ، مِثلُ قولِنا: الْخَلُّ لا يَرْفَعُ الحدَثَ، فلا يُزيلُ النجاسةَ كالْمَرَقِ، والجامِعُ اشتراكُهما في انتفاءِ حُكْمٍ وهوَ رَفْعُ الحدَثِ. وقدْ يكونُ الجامعُ اشتراكَهما في انتفاءِ وَصْفٍ، مثلُ قولِنا: السِّرْجِينُ لا يُباعُ قِياسًا على الْمَيْتَةِ، بجامِعِ اشترَاكِهِما في انتفاءِ الطهارةِ عنهما. وفي قولِهِ: (بإِثْبَاتِ حُكْمٍ أوْ وَصْفٍ) ، مُنَاقَشَةٌ؛ فإنَّ الإثباتَ مَصْدَرُ أَثْبَتَ، فالقياسُ لا يُثْبِتُ الجامعَ بلْ يُظْهِرُهُ؛ لِيَتَعَدَّى الحكْمُ بهِ مِن الأصلِ إلى الفرْعِ. وكذلكَ نفيُ الحكْمِ أو الوصْفِ بجَامِعٍ، ليسَ شيئًا يُحْدِثُهُ القياسُ، بل الانتفاءُ مُتَحَقِّقٌ في نفسِ الأمرِ، يُظْهِرُهُ القياسُ ليَنتفيَ الحكْمُ عن الفرعِ كما انتَفَى عن الأصلِ. ولهذا قالَ ابنُ الخطيبِ: (بِأَمْرٍ جامعٍ بينَهما مِنْ حُكْمٍ أوْ صفةٍ) ، بَدَلَ قولِهِ: (بإثباتِ حُكْمٍ أوْ صفةٍ) . وقولُهُ: (أوْ نَفْيِهِ عنهما) ، هكذا صوابُ العِبارةِ؛ فإنَّ الجامعَ يَجِبُ أنْ يكونَ مُشْتَرَكًا بينَ الفرعِ والأصلِ، وإلَّا لمْ يكُنْ جامعًا. وأَفْرَدَ بعضُهم الضميرَ في عنْهُما، فقالَ: (أو نفيِهِ عنْهُ) ، على إرادةِ الفرْعِ، يعني: أنْ يُبَيِّنَ إثباتَ الجامِعِ مِنْ إثباتٍ أوْ نفيٍ في الفرْعِ؛ ليَتَعَدَّى الحكْمُ مِن الأصلِ إليهِ. وفي ذلكَ ما يَقتضِي إثباتَ الجامعِ في الفرْعِ، والجامعُ حَقُّهُ أنْ يكونَ ثابتًا بنفسِهِ؛ ليَثْبُتَ الحكْمُ المُدَّعَى في الفرْعِ بهِ، وهذا الرسْمُ فَاسِدٌ بأُمُورٍ:

أحدُها: أنْ يَقتضِيَ مُساواةَ الفرْعِ الأصلَ في إثباتِ حُكْمِهما؛ فإنَّهُ قالَ: (حَمْلُ معلومٍ على معلومٍ في إثباتِ حُكْمٍ لهما) ، فجَعَلَ حُكْمَهما ثابتًا بإثباتِ القايسِ. وليسَ الأمرُ في القياسِ كذلكَ، بلْ حُكْمُ الأصلِ يَجِبُ أنْ يكونَ ثابتًا قَبلَ القِياسِ، وإنَّما يَجتهدُ القايسُ في إثباتِ مِثلِ حُكْمِ الأصلِ في الفرْعِ، لا في إثباتِ حُكمِ الأصلِ والفرْعِ جميعًا.

الثاني: أنَّهُ تَعَرَّضَ لتفصيلِ الجامعِ مِنْ كونِهِ إثباتَ حُكْمٍ أوْ صفةٍ أوْ نَفْيَ ذلكَ. وتفصيلُ الجامعِ ليسَ داخلًا في ماهِيَّةِ القِياسِ، بالَّذِي يَتَوَقَّفُ عليهِ مَعرِفَةُ القياسِ الجامعِ الْمُطْلَقِ؛ فإنَّ الحاجةَ إلى ذِكْرِهِ لنفْسِ كونِهِ جَامِعًا، لا بخُصُوصيَّةٍ مِنْ خُصوصيَّاتِهِ. ولوْ كانَ ذلكَ داخلًا في التَّعْرِيفِ لَزِمَ التعرُّضُ لأقسامِ الْمَقِيسِ عليهِ، مِنْ كَوْنِهِ مَنصوصًا على عِلَّتِهِ، أوْ مَأْخُوذًا مِن

(1) سقطَ هنا من التعريفِ قولُهُ: (عَلَى مَعْلُومٍ) ، وبذلكَ يستقيمُ عَوْدُ ضميرِ التَّثْنِيَةِ، وهوَ ما يُوَضِّحُهُ الشرحُ بعدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت