فهرس الكتاب
الاستنباطِ؛ فإنَّ الأصلَ في أَحَدِ أركانِ القِياسِ، كما أنَّ الجامِعَ أَحَدُ أَرْكَانِهِ. فلَمَّا لمْ يَجِب التَّعَرُّضُ لأقسامِ الأصلِ لمْ يَجِبْ ذلكَ في الجامِعِ، فذِكْرُهُ مُستَدْرَكٌ.
الثالثُ: أنَّ القياسَ الفاسدَ يَخْرُجُ مِنْ هذا الرسْمِ فهوَ باطلٌ؛ لأنَّ لفظَ القِياسِ يَشْمَلُ الصحيحَ والفاسدَ؛ بدليلِ تقسيمِهم القياسَ إلى الصحيحِ والفاسدِ، ومَوْرِدُ التقسيمِ مشْتَرَكٌ. بيانُ خُروجِ الفاسدِ عنْ هذا الرسْمِ أنَّهُ شَرْطٌ في حُصولِ الجامعِ، ومَتَى تَحَقَّقَ الجامعُ بينَ الأصلِ والفرعِ كانَ القِياسُ صَحيحًا، ومتى لمْ يَتَحَقَّقْ كانَ فاسدًا، فكان حَقُّهُ أنْ يقولَ: (بِجَامِعٍ في نَظَرِ المجتَهِدِ) ؛ ليَتناوَلَ الفاسدَ والصحيحَ. ولأجْلِ هذهِ الإِشْكَالاتِ قالَ أبو الحسينِ البَصريُّ: (القياسُ تحصيلٌ لِحُكْمِ الأَصْلِ في الفرْعِ؛ لاشتباهِهما في عِلَّةِ الحُكْمِ عندَ المجتَهِدِ) . وقولُهُ في الكتابِ: (رَدُّ الفرْعِ إلى الأَصْلِ في الحكْمِ بعِلَّةٍ تَجْمَعُهما) ، سالِمٌ مِن الإشكالِ الأوَّلِ والثاني دونَ الثالثِ؛ فإنَّهُ يَخْرُجُ منهُ القياسُ الفاسِدُ، فهوَ أَقْرَبُ مِن الْحَدِّ المشهورِ. ولوْ أُضيفَ إليهِ في نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ سَلِمَ مِن الإشكالاتِ الثلاثةِ. وقيلَ: إنما عُدِلَ في الحَدِّ المشهورِ عنْ ذِكْرِ الفرْعِ والأصلِ؛ لأنَّ المُتَبَادِرَ إلى الفَهْمِ منهما المَوْجُودُ، فعُدِلَ إلى ما يَعُمُّ الموجودَ والمعدومَ. ولا طائلَ في هذا القولِ؛ فإنَّ قولَهُ في الْحَدِّ المشهورِ: (في إثباتِ حُكْمٍ أوْ صِفةٍ لهما) ، يُشْعِرُ بالموجودِ إشعارًا ظاهرًا، لا يُفْهَمُ مِثلُهُ مِنْ لَفْظِ الأصلِ والفرْعِ. ثمَّ التَّعَرُّضُ للمعدومِ ليسَ عظيمَ أَمْرٍ في القِياسِ، فلا قِياسَ إنَّما هوَ إضافةٌ بينَ ثابتَيْنِ إمَّا في الذِّهْنِ وإمَّا في الخارجِ، فلا قِياسَ إلَّا حيثُ يَصْدُقُ الموجودُ، فلا معنى للتَّعَرُّضِ للمعدومِ.
والتعَبُّدُ بالقياسِ جائزٌ عَقْلًا؛ فإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِهِ مُحالٌ، وكلُّ شيءٍ لا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِهِ مُحَالٌ فهوَ جائزٌ عَقْلًا، ولأنَّ التشبيهَ والتمثيلَ والجمْعَ بينَ الشيئَيْنِ بِوَصْفٍ مُعتَمَدٍ مِن الأمورِ العادِيَّةِ، فلا امتناعَ في كونِهِ طَريقًا إلى تَحصيلِ المصلَحَةِ واجتنابِ الْمَفْسَدةِ. والفقهاءُ مُجْمِعونَ على أنَّ الشرْعَ وَرَدَ بالتعَبُّدِ بهِ، وأنَّهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرجوعُ إليهِ في الأحكامِ الشرعيَّةِ. واحْتَجُّوا على ذلكَ بأشياءَ؛ منها قولُهُ تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} ، الاعتبارُ: المجاوَزَةُ، فأَمَرَهم بتَعديَةِ حُكْمِ الأصلِ إلى الفرْعِ. وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ للَّذِي سأَلَهُ عنْ قُبْلَةِ الصائمِ: (( أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ [بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ] ) )، وقولُهُ عليهِ السلامُ للَّذِي سَأَلَهُ: (( أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ ) ). وكلُّ هذهِ التَّمَسُّكاتِ ضَعيفةٌ؛ فإنَّ سِياقَ الآيَةِ يُعْطِي أنَّ المقصودَ بالاعتبارِ هوَ النظَرُ في فِعْلِ اللَّهِ سُبحانَهُ بالكافرِ؛ بدليلِ قولِهِ: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوا} . وأمَّا الخبرُ فهوَ خبرُ واحدٍ لا يَصْلُحُ طريقًا لإثباتِ أَصْلٍ مقطوعٍ بهِ، ثمَّ فيهِ إثباتُ القياسِ مُطْلَقًا بقياسٍ منصوصٍ عليهِ. ولا يَلْزَمُ مِنْ كونِ القياسِ المأخوذِ مِن النصِّ حُجَّةً، أنْ يكونَ كُلُّ قِياسٍ حُجَّةً. وأَجْوَدُ الطُّرُقِ في إثباتِ القياسِ التمَسُّكُ بإجماعِ الصحابةِ عليهِ؛ فإنَّهُم لَمَّا اخْتَلَفوا في الْجَدِّ وفي الأَكْدَرِيَّةِ، وفي قولِهِ: أنتِ حَرَامٌ، وفي التشريكِ في الميراثِ، أَخَذَ كُلُّ واحدٍ منهم بما رَآهُ عندَهُ قِياسًا صحيحًا، ولمْ يُنْكِرْ بعضُهم على بعضٍ. وذلكَ دليلٌ على إجماعِهم على جَوازِ القياسِ في الشرْعِيَّاتِ. وما احْتَجَّ بهِ مُنْكِرو القياسِ مِنْ قولِهِ تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ، وقولِهِ: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، وقولِهِ تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} ، والقياسُ ظَنٌّ، وما جاءَ مِنْ ذَمِّ القائلينَ بالرَّأْيِ، كُلُّ ذلكَ شُبهةٌ لا تقومُ بهِ الْحُجَّةُ على دَعواهُم؛ فإنَّ الحكْمَ بالقياسِ راجعٌ إلى الكتابِ، وهوَ رَدٌّ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، وليسَ القياسُ مِن الظنِّ الذي لا يُغْنِي مِن الحقِّ شيئًا؛ فإنَّ ذلكَ الظنَّ هوَ الظنُّ الذي لا أَصلَ لهُ في الشريعةِ، فأمَّا ما لهُ أصْلٌ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ فهوَ مِن الْحَقِّ، والعملُ بهِ واجبٌ؛ بدليلِ الشاهِدِ والْمُفْتِي؛ فإنَّ قَوْلَهما ظَنٌّ ويَجِبُ العملُ بهِ. وذَمُّ القولِ بالرأيِ مَحمولٌ على الرأيِ بغيرِ أَصْلٍ، والرأيُ أَعَمُّ مِن القياسِ. ومِنْ لطيفِ الأجْوِبَةِ عن التمَسُّكِ بقولِهِ تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ، قولُ مَنْ قالَ بِرَدِّ القِياسِ وكونِهِ ليسَ حُجَّةً: إن قيلَ: إنَّهُ مأخوذٌ مِنْ نَصِّ الكتابِ، كانَ باطلًا، وإنْ قيلَ بالرَّدِّ إليهِ بِوَسَطٍ، فقدْ حَصَلَ الاعترافُ بإثباتِ حُكْمٍ بأَمْرٍ يَرْجِعُ إلى الكتابِ، والقياسُ كذلكَ، فلا يكونُ في الآيَةِ دَليلٌ على إبطالِهِ.