الصفحة 45 من 53

وأمَّا التمَسُّكُ بحديثِ مُعاذٍ حينَ قالَ لهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( بِمَ تَحْكُمُ؟ ) )قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: (( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ) ) [قَالَ: بِالسُّنَّةِ، قَالَ: (( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ) )] قالَ: فَإِنِّي أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فضعيفٌ لأمورٍ:

أحدُها: أنَّ هذا الحديثَ مُرْسَلٌ. وقدْ تَقَدَّمَ أنَّ الْمُرْسَلَ لا يُحْتَجُّ بهِ، فإنْ قيلَ: هوَ مُتَلَقًّى بالقَبولِ فيَجبُ العملُ بهِ، كما في قولِهِ عليهِ السلامُ: (( لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ ) )؛ فإنَّهُ مُرْسَلٌ ووجَبَ العملُ بهِ لَمَّا تَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبولِ. قيلَ: تَلَقِّي خبرِ مُعاذٍ هذا بالقَبولِ ممنوعٌ؛ فإنَّ المُتَدَاوِلَ لهُ بعضُ أهلِ الأصولِ، ولَيْسُوا كُلَّ الأُمَّةِ، وقدْ نَصَّ أَئِمَّةُ الحديثِ على ضَعْفِهِ وإرسالِهِ، بخِلافِ حديثِ مِيراثِ القاتلِ؛ فإنَّ أهلَ العلْمِ على اختلافِهم واختلافِ طَبَقاتِهم قَبِلُوهُ. ولوْ قيلَ: الحكْمُ مُستفادٌ مِن الاتِّفاقِ عليهِ لا مِن الخبرِ المرسَلِ لمْ يكُنْ بَعيدًا.

والثاني: أنَّ رأيَ مُعاذٍ قدْ يكونُ مُسَدَّدًا، فهذهِ واقعةُ عَيْنٍ لا عُمومَ لها. والثالثُ: أنَّ الرأيَ أَعَمُّ مِن القياسِ؛ فإنَّ الرأيَ هوَ الاجتهادُ، والعلماءُ مُجْمِعونَ على وُجوبِ الاجتهادِ عندَ العَجْزِ عن النصوصِ، ومختلِفونَ في القِياسِ حينئذٍ، وما أُجْمِعَ عليهِ غيرُ ما اخْتُلِفَ فيهِ، ولأنَّ مِنْ أبوابِ الاجتهادِ الأخْذَ بالبراءةِ الأصلِيَّةِ، واستصحابَ الحالِ، والأخْذَ بالأشَدِّ، فلا يَلْزَمُ مِن الإذْنِ في الرأيِ الذي هوَ أَعَمُّ مِن القياسِ الإذْنُ في خُصوصِ القِياسِ. وأَضْعَفُ مِنْ هذا التمَسُّكُ بكتابِ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ إلى أبي موسى الأشعريِّ، وقولِهِ:"قِس الأمورَ بعضَها ببعضٍ"؛ فإنَّ هذهِ الرسالةَ مُرْسَلةٌ وهيَ قولُ صحابِيٍّ.

(وهوَ يَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: إلى قِياسِ عِلَّةٍ، وقياسِ دَلالةٍ، وقِياسٍ شَبَهٍ. فقياسُ العِلَّةِ: ما كانت العِلَّةُ فيهِ مُوجِبَةً، وقِياسُ الدَّلالةِ: هوَ الاستدلالُ بأحَدِ النَّظِيرَيْنِ على الآخَرِ، وهوَ أنْ تكونَ العلَّةُ دالَّةً على الحكْمِ ولا تكونَ مُوجِبَةً للحكْمِ، وقياسُ الشبَهِ: هوَ الفرْعُ المُتَرَدِّدُ بينَ أصلَيْنِ فيَلْتَحِقُ بأكثرِهما شَبَهًا)

الدليلُ على انقسامِ القياسِ إلى هذهِ الأقسامِ الثلاثةِ، أنَّ الفرْعَ المطلوبَ حُكْمُهُ بالقياسِ لا يَخْلُو: إمَّا أنْ يَتَرَدَّدَ بينَ أصْلَيْنِ أوْ لا. والأوَّلُ: قِياسُ الشَّبَهِ، والثاني: قِياسٌ إمَّا أنْ تكونَ العِلَّةُ فيهِ بحيثُ يُمْكِنُ في العقلِ إلغاؤُها في الفرْعِ أوْ لا. والأوَّلُ: قياسُ الدَّلالةِ، والثانِي قِياسُ العِلَّةِ. وقدْ أشارَ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ إلى هذا التقسيمِ. ومعنى قولِهِ: (إِمَّا أنْ تكونَ العلَّةُ فيهِ مُوجِبَةً) ؛ أيْ: مُقتضيَةً للحكْمِ، بحيثُ لا يَحْسُنُ عَقلًا تَخَلُّفُ الحكْمِ في الفرْعِ عنها، مِثلُ: تحريمِ الضرْبِ، قِياسًا على التأفيفِ؛ فإنَّ قولَهُ تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ، معلومٌ منهُ أنَّ تحريمَ الضرْبِ لإكرامِ الوالدَيْنِ، ويَقْبُحُ عَقلًا إكرامُهما بِمَنْعِ التأفيفِ وإباحةِ ضَرْبِهما. فقياسُ الضرْبِ على التَّأْفِيفِ قياسُ العِلَّةِ عندَ مَنْ يَراهُ مِنْ بابِ القياسِ. وقدْ ذَهَبَ جماعةُ أَهْلِ العلْمِ أنَّ هذا ليسَ قِياسًا، وسَمَّاهُ بعضُ أصحابِنا: فَحْوَى الْخِطابِ، وجَعَلَهُ مِن المدلولِ عليهِ باللفظِ. ويَشْهَدُ لهذا القولِ أنَّ نُفَاةَ القياسِ أَثْبَتُوا تحريمَ الضرْبِ بتحريمِ التأفيفِ، ولمْ يَعُدُّوا ذلكَ مِن القِياسِ. وقدْ جَعَلَهُ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ مِنْ بابِ القِياسِ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ لولا الأصْلُ المنصوصُ عليهِ ما ثَبَتَ الحكْمُ المطلوبُ في الفرْعِ. ومِنْ هذا النوعِ مِن القياسِ نَهْيُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عن التضحيَةِ بالعَوْرَاءِ، فقِسْنَا العَمياءَ عليها؛ لأنَّهُ لا يَحْسُنُ في العقلِ أنْ يُقالَ: العوراءُ لا تُجْزِئُ، والعمياءُ تُجْزِئُ. ورُبَّما أُدْرِجَ في هذا النوعِ ما ليسَ منهُ بحيثُ يَنْتَشِرُ ولا يَنْضَبِطُ، والأجوَدُ ما ذَكَرْنا في ضَبْطِهِ، وليسَ المَعْنِيُّ بقولِهِ: (يُوجِبُهُ) ، الإيجابَ العقليَّ، بحيثُ يَستحيلُ التخلُّفُ، بل الاقتصارُ على الوجهِ المذكورِ بحيثُ لا يَحْسُنُ التخلُّفُ، ولوْ فُرِضَ لمْ يَلْزَمْهُ مُحالٌ. وهذا شأنُ العِلَلِ الشرعيَّةِ؛ فإنَّها ليستْ مُوجِبَةً بنفسِها، بلْ هيَ أَمَارةٌ على الحكْمِ. [وأمَّا قياسُ الدَّلالةِ، فهوَ غالِبُ أنواعِ الأَقْيِسَةِ، وهوَ ما يكونُ الحكْمُ] فيهِ بعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، ويَجوزُ أنْ يَتَرَتَّبَ الحكْمُ بها في الفرْعِ، ويَجوزُ أن يَتَخَلَّفَ في العقْلِ: كإيجابِ الزكاةِ في مالِ الصبِيِّ بالقياسِ على مالِ البالغِ؛ فإنَّ العلَّةَ الجامعةَ بينَهما دَفْعُ حاجةِ الفقيرِ بجُزْءٍ مِن المالِ النَّامِي، ويَصِحُّ في العقلِ أنْ تَجِبَ الزكاةُ في مالِ البالغِ بهذهِ العِلَّةِ، ولا تَجِبُ في مالِ الصبِيِّ. وهذا النوعُ مِن القياسِ أَضْعَفُ مِن الأوَّلِ؛ فإنَّ العلَّةَ فيهِ دالَّةٌ على الحكْمِ وليستْ ظاهِرةً ظُهُورًا يُشْبِهُ الإيجابَ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت