الصفحة 46 من 53

ورُبَّما جَمَعَ بعضُ الْمُصَنِّفِينَ بينَ هذَيْنِ النوعَيْنِ وجَعَلَهما نوعًا واحدًا، ورُبَّما عَدَّ ما يَصْلُحُ أنْ يكونَ مِن النوعِ الثاني مِن الأقيسةِ في جُملةِ النوعِ الأوَّلِ؛ لعُسْرِ ضَبْطِ ما يَفترقانِ بهِ إذا عُدِلَ عمَّا ذَكَرْنَاهُ مِن الضبْطِ؛ فإنَّهُ أَقربُ الطُّرُقِ إلى الفَرْقِ بينَ هذيْنِ النوعَيْنِ. وهذانِ النوعانِ مَقبولانِ عندَ القِيَاسِيِّينَ. وأمَّا قِياسُ الشَّبَهِ فمُختلَفٌ في قَبولِهِ، وقدْ أشارَ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ إلى قَبولِ قِياسِ الشبَهِ. وأُضيفَ القياسُ إلى الشبَهِ؛ لأنَّ المُعْتَمَدَ فيهِ قُوَّةُ شَبَهِ الفرْعِ بالأصْلِ، ومثالُهُ: ضَمانُ العبدِ؛ فإنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بينَ الإِنسانِ الحُرِّ وبينَ البَهيمةِ؛ فإنَّهُ يُشْبِهُ البهيمةَ في الضمانِ مِنْ حيثُ إنَّهُ مالٌ، ويُشْبِهُ الحُرَّ مِنْ حيثُ إنَّهُ إنسانٌ مُكَلَّفٌ. فمَذهبُ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ إلى إلحاقِهِ في الضمانِ بالبَهيمةِ أَشْبَهُ؛ لأنَّ شَبَهَ العبْدِ بالأموالِ أكثرُ مِنْ شَبَهِهِ بالأحرارِ؛ بدليلِ أنَّهُ يُباعُ ويُورَثُ، ويُوقَفُ ويُضْمَنُ أجزاؤُهُ بما نَقَصَ. وممَّا أُلْحِقَ بقياسِ الشبهِ إيجابُ النِّيَّةِ في الوُضوءِ؛ فإنَّ الوُضوءَ مُتَرَدِّدٌ بينَ التيَمُّمِ وإزالةِ النجاسةِ، فهوَ يُشْبِهُ التيمُّمَ مِنْ حيثُ إنَّهُ طَهارةٌ عنْ حَدَثٍ، فيَجِبُ فيهِ النيَّةُ بالقياسِ على التيَمُّمِ، ويُشبِهُ إزالةَ النجاسةِ مِنْ حيث إنَّهُ طَهارةٌ بمائعٍ، فلا تَجِبُ فيهِ النيَّةُ. وهذا النوعُ أَضعفُ مِن النوعِ الثاني؛ فإنَّ الجامعَ فيهِ بينَ الأصلِ والفرْعِ ليسَ عِلَّةَ الحكْمِ، وإنَّما هوَ اشتراكٌ بينَ الفرعِ والأصلِ في حُكْمٍ أوْ وَصْفٍ. ولمْ يَذْكُرْ قياسَ الطَّرْدِ، فكأنَّهُ يرى أنَّهُ غيرُ مَقبولٍ، وهذا هوَ ظاهِرُ قولِ الْخُراسانِيِّينَ مِنْ أصحابِنا.

وقدْ شدَّدَ الغزاليُّ النَّكِيرَ في كتابِهِ (الْمُنْتَحَلِ) على قِياسِ الطرْدِ، وقالَ: إنَّهُ تَصَرُّفٌ في الشرْعِ بغيرِ دليلٍ. ورَجَعَ عنْ هذا القولِ [في كتابِهِ الذي سَمَّاهُ (شِفاءَ الغليلِ) ، وقالَ: القولُ] بالقياسِ الطَّرْدِيِّ لا بُدَّ منهُ، وقدْ عَمِلَ بهِ الصحابةُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم ومَنْ بَعْدَهم مِنْ أهلِ العلْمِ؛ فإنَّ الأجناسَ السِّتَّةَ المنصوصَ عليها في بابِ الرِّبَا، اختَلَفَ الصحابةُ في عِلَّةِ الرِّبا فيها، وأَلْحَقَ كلٌّ بها ما يَراهُ مُشارِكًا في العِلَّةِ، وليسَ ثَمَّ إلَّا أَوصافٌ طَرْدِيَّةٌ مِثلُ الطَّعْمِ والكَيْلِ والجِنْسِ والتقديرِ. وقياسُ الشبَهِ وقياسُ الطرْدِ يَشتركانِ في تَعليقِ الحكْمِ بغيرِ عِلَّةٍ، وإنَّما يَمْتَازُ قِياسُ الشبَهِ بالترَدُّدِ بينَ أصلَيْنِ، وذلكَ لا يُشْتَرَطُ في الطرْدِ. فقَبولُ قِياسِ الشبَهِ معَ رَدِّ قِياسِ الطرْدِ بعيدٌ، والذي يَقتضيهِ الدليلُ قَبولُهما جميعًا أوْ رَدُّهما جميعًا؛ فإنَّ الاشتراكَ في الأوصافِ أو الأحكامِ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا وَجَبَ اعتبارُهُ في الشبَهِ والطَّرْدِ، وإنْ لمْ يكُنْ مُعْتَبَرًا وَجَبَ إِلْغَاؤُهُ فيهما جَميعًا.

(ومِنْ شَرْطِ الفرْعِ أنْ يكونُ مُنَاسبًا للأصلِ، ومِنْ شَرْطِ الأصلِ أنْ يكونَ ثابتًا بدليلٍ مُتَّفَقٍ عليهِ بينَ الْخَصمَيْنِ، ومِنْ شَرْطِ العِلَّةِ أنْ تَطَّرِدَ في مَعلولاتِها، وأنْ لا تُنْتَقَضَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى، ومِنْ شَرْطِ الحُكْمِ أنْ يكونَ مِثْلَ العِلَّةِ في النفيِ والإِثباتِ، والعِلَّةُ هيَ الجالِبَةُ للحُكْمِ، والحكْمُ هوَ المجلوبُ للعِلَّةِ) .

الفرْعُ هوَ ما يُرادُ إثباتُ حُكْمِ الأصلِ فيهِ، مِثلُ: الأُرْزِ مَثلًا يُرادُ إجراءُ الرِّبَا فيهِ بالقياسِ على الْحِنْطَةِ. ومعنى كونِ الفرْعِ مُناسبًا للأصْلِ، صِحَّةُ إلحاقِهِ بهِ، وذلكَ باشتراكِها في عِلَّةِ الحكْمِ في الأصْلِ. فذِكْرُ العِلَّةِ في القياسِ يُغْنِي عنْ هذا الشرْطِ عندَ مَنْ لا يَقْبَلُ قِياسَ الطرْدِ؛ فإنَّ مَنْ ردَّ القِياسَ الطرديَّ إنَّما يَعْتَبِرُ الإِجماعَ في عِلَّةِ الحكْمِ، فمتى تَحَقَّقَ ذلكَ صَحَّ القِياسُ، ومتى لمْ يَتَحَقَّقْ ذلكَ بَطَلَ القياسُ، فلا معْنَى لمناسَبَةِ الفرْعِ للأصلِ بعدَ الاشتراكِ في عِلَّةِ الحكْمِ، وإنَّما يَصِحُّ اعتبارُ المناسَبَةِ المذكورةِ شَرْطًا زائدًا عندَ مَنْ يَقْبَلُ القياسَ الطرْدِيَّ؛ فإنَّ الفرْعَ قدْ يكونُ مُشارِكًا للأصْلِ في أَوْصَافٍ، ومعَ ذلكَ لا يَحْسُنُ الجمْعُ بينَهما لعَدَمِ المناسَبَةِ بينَهما، وإنَّما تُعْتَبَرُ الأوصافُ الطرديَّةُ إذا كانَ الجمْعُ بينَ الفرْعِ والأصلِ في الحكْمِ سائغًا مُسْتَحْسَنًا، ومِثالُ ذلكَ: قولُنا في إِلْزَامِ السَّيِّدِ إجابةَ عَبْدِهِ إلى النِّكاحِ: [إنَّ العبدَ مُكَلَّفٌ مُوَلًّى عليهِ، فوَجَبَتْ إجابتُهُ إلى النِّكاحِ] إذا طَلَبَ؛ كالسفيهِ. فهذا قِياسٌ طَرْدِيٌّ، وبينَ العبدِ الذي هوَ الفرْعُ والسفيهِ الذي هوَ الأصْلُ مُناسَبَةٌ مِنْ حيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُوَلًّى عليهِ. وعبارتُهُ مُعْتَبَرَةٌ، فلوْ قيلَ: المجنونُ إذا طَلَبَ النِّكاحَ وَجَبَتْ إجابتُهُ؛ لأنَّهُ إنسانٌ مُوَلًّى عليهِ، والولَدُ البالغُ المُطْلَقُ يَجِبُ على الأبِ إِجَابَتُهُ إذا طَلَبَ؛ لأنَّهُ بالِغٌ مُكَلَّفٌ، كانَ ذلكَ باطلًا لعَدَمِ المناسَبَةِ بينَ السفيهِ والمجنونِ؛ فإنَّ السفيهَ تُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ فِي العِباداتِ، والمجنونَ لا تُعْتَبَرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت