الصفحة 47 من 53

عِبارتُهُ في شيءٍ أَصْلًا. وكذلكَ البالِغُ الْمُطْلَقُ مُسْتَقِلٌّ بنفسِهِ، بخلافِ السفيهِ؛ فإنَّهُ مُوَلًّى عليهِ. فالمناسَبَةُ بينَ السفيهِ والعبدِ اشتراكُهما في وَصفَيْنِ خاصَّيْنِ، بخِلافِ البالغِ المطلَقِ والمجنونِ؛ فإنَّهما وإنْ شَارَكَاهُ في وَصفَيْنِ، إلَّا أنَّ أحدَهما في المجنونِ عامٌّ لا يَخْتَصُّ بالسفيهِ، فإنْ قُلنا: إنسانٌ مُوَلًّى عليهِ، جَمَعْنَا بينَهما بوَصفيْنِ أَحدُهما: الإِنسانيَّةُ، وهيَ أَمْرٌ عامٌّ، لا يَحْسُنُ اعتبارُها في أحكامِ الخصوصِ. وأمَّا في الولَدِ البالغِ، فإنَّ الجمْعَ وَقَعَ بوَصفيْنِ عامَّيْنِ، وهما البلوغُ والتكليفُ، فهذا معنى مناسَبَةِ الفرْعِ للأصْلِ. ولوْ لمْ يَذْكُرْ هذا الشرْطَ كانَ أَوْلَى بهِ؛ فإنَّ ظاهرَ كلامِهِ الإِعراضُ عنْ قِياسِ الطرْدِ، فتَنْحَصِرُ مُناسَبَةُ الفرْعِ للأصْلِ في الاشتراكِ في عِلَّةِ الحكْمِ، وقدْ ذُكِرَ ذلكَ في حَدِّ القِياسِ. فإنْ قيلَ: مُناسَبَةُ الفرْعِ أصلَهُ يُعْتَبَرُ في قِياسِ الشَّبَهِ، فإنَّ الْحُكْمَ فيهِ مُعَلَّقٌ بقُوَّةِ الشبَهِ لا بعِلَّةِ الحكْمِ، فتُعْتَبَرُ المناسَبَةُ فيهِ؛ فلذلكَ ذَكَرَها، قيلَ: لمْ يُقَيِّدْ ما ذَكَرَهُ مِن الشرْطِ في الفرْعِ بقياسِ الشبَهِ، فالإِطلاقُ مُستدرَكٌ لوْ سُلِّمَ هذا الجوابُ. وأيضًا فالمناسَبَةُ في قِياسِ الشبَهِ مُتَحَقِّقَةٌ بينَ الفرْعِ وأَصْلَيْهِ المُتَرَدَّدِ بينَهما، وإنَّما النظَرُ في أيِّ الشَّبَهَيْنِ أَقْوَى، فَقُوَّةُ المشابَهَةِ في الشبَهِ كعِلَّةِ الحكْمِ، إنْ وُجِدَتْ قُوَّةُ المشابَهَةِ كانَ الفرْعُ مُناسِبًا، وإنْ لمْ تُوجَدْ لمْ يكُنْ مُناسبًا، فالجامِعُ قُوَّةُ الشَّبَهِ، فلا معنى لاشتراطِ مُناسبَةٍ أُخرى وراءَ ذلكَ.

وأمَّا الأصلُ فهوَ المطلوبُ إثباتُ حُكْمِهِ أوْ مِثْلِ حُكْمِهِ في الفرْعِ؛ كالْحِنْطَةِ معَ الأُرْزِ. فإذا كانَ حُكْمُ الأصْلِ ثابتًا بنَصٍّ أوْ إجماعٍ، وعُلِمَتْ عِلَّتُهُ بنَصٍّ أو استنباطٍ، جازَ القِياسُ عليهِ. وإنْ كانَ حُكْمُ الأصلِ ثابتًا بالقياسِ جازَ القِياسُ عليهِ بتلكَ العِلَّةِ. وهلْ يَجوزُ تَغَيُّرُها؟ فيهِ خِلافٌ، مِثالُ ذلكَ: أنْ يُقاسَ الأُرْزُ على الْحِنْطَةِ بجامِعِ الطَّعْمِيَّةِ، فيَجوزُ قِياسُ الذُّرَةِ على الأُرْزِ بهذهِ العِلَّةِ، فلوْ قيلَ: الذُّرَةُ كالأُرْزِ بجامعِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما قُوتٌ في مكانٍ تُعْدَمُ فيهِ الْحِنطةُ أوْ تَقِلُّ، كانَ ذلكَ قِياسًا بغيرِ عِلَّةِ القياسِ الأوَّلِ. والصحيحُ أنَّ مِثلَ هذا باطلٌ؛ فإنَّهُ إِلْحَاقٌ بغيرِ عِلَّةِ الحكْمِ، ولأنَّهُ يُفْضِي إلى ما يُسْتَهْجَنُ ولا يُستَحْسَنُ في العقلِ؛ فإنَّهُ إذا جازَ الجمْعُ بينَ الذُّرةِ والأُرْزِ بجامعِ كونِهما قُوتًا في قُطْرٍ تُعْدَمُ فيهِ الْحِنطةُ أوْ تَقِلُّ، جازَ الجمْعُ بينَ الأُرْزِ واللِّينُوفَرِ بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما نَباتٌ لا يُقْطَعُ عنهُ الماءُ، فيكونُ اللينوفرُ رِبَوِيًّا بهذا الجامِعِ. وإذا أَثبتَ الشافعيُّ حُكْمًا بالمفهومِ، وأرادَ الاحتجاجَ على الحنَفِيِّ بالقِياسِ عليهِ، كانَ ذلكَ باطلًا؛ لأنَّ دَليلَ حُكْمِ الأصلِ ممنوعٌ عندَ الحنفِيِّ، فَكَوْنُ القِياسِ حُجَّةً على الْخَصمَيْنِ مَوقوفٌ على إثباتِ حُكْمِ الأصلِ بدليلٍ مُتَّفَقٍ عليهِ بينَهما، ولوْ تَوَاطَئَا على حُكْمِ الأصلِ لَزِمَهما القياسُ بذلكَ التَّوَاطُؤِ، ولمْ يكُنْ حُجَّةً.

وأمَّا العِلَّةُ فمَنْ لمْ يُجَوِّزْ تخصيصَ العِلَّةِ اشترَطَ اطِّرَادَها. ومعنى ذلكَ تَرَتُّبُ الحكْمِ عليها في جُملةِ صُوَرِ ثُبوتِها، ودليلُ هذا أنَّ العِلَلَ الشرعيَّةَ مَسلوكٌ بها سُبُلَ العِلَلِ العقليَّةِ، والعِلَلَ العقليَّةَ هذا شأنُها. ومَنْ أجازَ تَخصيصَ العِلَّةِ، اكتفى بظُهورِ المناسَبَةِ ولمْ يَعْتَبِر الاطِّرَادَ، ودليلُهُ أنَّ العِلَلَ الشرعيَّةَ أَماراتٌ، ولا يَلْزَمُ مِنْ كونِ الشيءِ أَمارةً على الحكْمِ في صُورةٍ، أنْ يكونَ أَمارةً عليهِ في كلِّ صُورةٍ. وانتقاضُ العِلَّةِ لَفظًا هوَ أنْ تَصْدُقَ الأوصافُ المُعْتَبَرُ بها عنْ عِلَّةِ الحكْمِ بدُونِ الحكْمِ، كقولِنا في القَتْلِ بالمُثَقَّلِ: إنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوَانٌ، فيَجِبُ القِصاصُ بالقياسِ على القتْلِ بالْمُحَدَّدِ، فتَنْتَقِضُ هذهِ العِلَّةُ بتحقيقِ هذهِ الأوصافِ في قَتْلِ الوَالِدِ وَلَدَهُ معَ أنَّهُ لا قِصاصَ عليهِ. ولهذا قالَ بعضُ أَصحابِنا: القِصاصُ واجبٌ في قَتْلِ الوالدِ وَلَدَهُ، ولكِنَّهُ لا يُقادُ بهِ لِحُرمةِ الأُبُوَّةِ، فتكونُ بالْمُحَدَّدِ مَنْ وَلِيُّهُ صغيرٌ، [أنَّ القِصاصَ واجبٌ بالقتلِ، والاستيفاءَ يَتأخَّرُ إلى بُلوغِ الصغيرِ] ، فلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الاستيفاءِ عَدَمُ الوُجوبِ، فلا تكونُ العِلَّةُ مُنْتَقَضَةً.

وأمَّا انْتِقَاضُ العِلَّةِ مِنْ جِهةِ المعنى، فَأَنْ يُوجَدَ المعنى الذي عُلِّقَ الحكْمُ بهِ في الأصْلِ في مكانٍ آخَرَ، ولا يَتَرَتَّبُ عليهِ الحكْمُ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: عِلَّةُ إيجابِ الزكاةِ في الْمَواشِي مَثَلًا دَفْعُ حاجةِ الفُقراءِ، فيُقالُ: هذا يُنْتَقَضُ بالجَوَاهِرِ؛ فإنَّ دَفْعَ حاجةِ الفقراءِ تَحْصُلُ بإيجابِ الزكاةِ فيها، ولا زكاةَ فيها، فانْتَقَضَت العِلَّةُ معنًى؛ أيْ: مِنْ جِهةِ المعنى. ورُبَّمَا فُسِّرَ انتقاضُ العِلَّةِ مَعْنًى بما إذا أُبْدِلَ وَصْفٌ مِن الأوصافِ المذكورةِ في العِلَّةِ أوْ حُذِفَ ووُجِدَ الحكْمُ، كما إذا قيلَ في الوُضوءِ: طَهارةٌ تُرَادُ للصلاةِ بالماءِ فلا تَجِبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت