فهرس الكتاب
فيها النيَّةُ، كَإِزَالةِ النجاسةِ، فقيلَ: هذا يُنْتَقَضُ بالتيَمُّمِ؛ فإنَّهُ طَهارةٌ تُرادُ للصلاةِ تَجِبُ النِّيَّةُ فيها، وقولُكم: بالماءِ، لا أَثَرَ لهُ في الحكْمِ، فهذا نَقْضٌ مِنْ طريقِ المعنى، وقدْ يُقالُ لهُ: كَسْرٌ، ولا يَكادُ يَجِيءُ هذا إلَّا في القياسِ الطرْدِيِّ. والعلَلُ التي يُعَبَّرُ عنها بأوصافٍ مُجْتَمِعَةٍ، كقولِنا: قَتْلٌ عَمْدٌ مَحْضٌ عُدوانٌ. واطِّرَادُ العِلَّةِ في مَعلولاتِها يُغْنِي عنْ قولِهِ: (ولا يُنْتَقَضُ) ، وإنَّما صَرَّحَ بهِ ليَتَعَرَّضَ لتفصيلِ النقْضِ، وأنَّهُ تارةً يكونُ على اللفظِ، وتارةً يكونُ على المعنى. وما ذَكَرَهُ في العِلَّةِ إنَّما يُعْتَبَرُ عندَ مَنْ لا يَرى تَخصيصَ العِلَّةِ، وفيما إذا لمْ يكُن الحكْمُ مُعَلَّلًا بعِلَّتيْنِ أو العِلَلِ؛ لاحتمالِ وُجودِ العلَّةِ الأُخرى، ومِثالُ هذا: أنَّ القتْلَ يَجِبُ بالرِّدَّةِ، والزِّنا بعدَ الإِحصانِ، وقتْلِ النفْسِ المعصومةِ المُمَاثِلَةِ، وترْكِ الصلاةِ. فهذهِ الأشياءُ كلُّ واحدةٍ منها عِلَّةٌ لوُجوبِ القتْلِ، ولا يَلزمُ بانتفاءِ أحدِهما أنْ لا يكونَ القتْلُ واجبًا؛ فإنَّهُ إذا فُقِدَت الردَّةُ جازَ أنْ يَجِبَ القتْلُ بالزنا بعدَ الإحصانِ. وكذلكَ قولُهُ في الحُكْمِ: إنَّ مِنْ شَرْطِهِ أنْ يكونَ مِثلَ العِلَّةِ في النفيِ والإثباتِ، يعني: أنَّ الحكْمَ إذا كانَ مُعَلَّلًا بعِلَّةٍ واحدةٍ، فإنَّهُ يُوجَدُ إذا وُجِدَتْ، ويَنْتَفِي إذا انْتَفَتْ، فأمَّا إذا كانَ لهُ عِلَّةٌ كما ذَكَرْنَا في القتْلِ، لمْ يَلْزَم انتفاؤُهُ عندَ انتفاءِ بعضِ العِلَلِ. ومعنى كونِ الحكْمِ مِثلَ العِلَّةِ مُساواتُهُ لها في الوُجودِ والعدَمِ، فهما مِثْلانِ في الوُجودِ والانتفاءِ، لا في الحقيقةِ. والعِلَّةُ هيَ الجالِبَةُ للحكْمِ؛ أي: الوصفُ المُنَاسِبُ لِتَرَتُّبِ الحكْمِ عليهِ، مِثلُ: دَفْعِ حاجةِ الفقيرِ؛ فإنَّهُ مناسِبٌ لإيجابِ الزكاةِ. والحكْمُ ما يَصِحُّ تَرَتُّبُهُ على العِلَّةِ، فهوَ مَجلوبٌ لها. وفي هذا ما يُشيرُ إلى إِلْغَاءِ الطَّرْدِ؛ فإنَّ الأوصافَ الطرديَّةَ ليْسَتْ جالِبَةً للحكْمِ؛ أيْ: ليستْ مناسِبَةً لاقتضائِهِ.
(وأمَّا الحظْرُ والإباحةُ، فمِن الناسِ مَنْ قالَ: إنَّ أصلَ الأشياءِ على الحظْرِ إلَّا ما أَبَاحَتْهُ الشريعةُ، فإنْ لمْ يُوجَدْ في الشريعةِ ما يَدُلُّ على الإباحةِ فيُتَمَسَّكُ بالأصْلِ، وهوَ الحظْرُ. ومِن الناسِ مَنْ قالَ بِضِدِّهِ، وهوَ أنَّ أَصْلَ الأشياءِ على الإباحةِ إلَّا ما حَظَرَهُ الشرْعُ) .
هذهِ المسألةُ كلامِيَّةٌ، وهيَ مِنْ فُروعِ القولِ بالحُسْنِ والقُبْحِ العقلِيَّيْنِ، وإنَّما جَرَتْ عادةُ أهلِ الأصولِ بالكلامِ عليها وعلى شُكْرِ الْمُنْعِمِ في أُصُولِ الفِقهِ، فخَصَّ إحدَى المسألتَيْنِ بالذِّكْرِ دُونَ الأخرى لِمَعْنًى، وهوَ أنَّ مَسألةَ الشكْرِ لا يَكادُ يَتَعَلَّقُ بها شيءٌ مِنْ أحكامِ الفروعِ، بخِلافِ مسألةِ الحظْرِ والإباحةِ؛ فإنَّ جماعةً مِنْ أصحابِنا خَرَّجُوا ما لمْ يُذْكَرْ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ مِن الحيواناتِ وغيرِها على وجهَيْنِ، بِناءً على أنَّ أصلَ الأشياءِ الإباحةُ أو الحظْرُ. فلَمَّا تَعَلَّقَتْ أحكامُ الفروعِ بهذهِ المسألةِ تَعَيَّنَ ذِكْرُها فيما وُضِعَ للفُقهاءِ مِن الأُصُولِ. والمشهورُ مِنْ مَذهَبِ الأشعريِّ الوَقْفُ، وألَّا حُكْمَ قبلَ وُرودِ الشرْعِ. ونفيُ الحكْمِ قبلَ الشرْعِ هوَ قَضِيَّةُ قولِهم: لا يُحَسِّنُ العقلُ ولا يُقَبِّحُ. وأمَّا المعتزِلَةُ فقد اخْتَلَفوا، فقالَ قومٌ منهم: أَصْلُ الأشياءِ الإباحةُ، ويُحْكَى هذا عنْ أبي العبَّاسِ وأبي إسحاقَ مِنْ أصحابِنا. وقالَ آخَرُونَ: أَصْلُ الأشياءِ الحظْرُ، ويُحْكَى هذا عنْ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيْرَةَ مِنْ أصحابِنا. ودليلُ هذا القولِ أنَّ التصَرُّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ بغيرِ إذنِهِ قَبيحٌ عَقْلًا، والأشياءُ كلُّها مِلْكٌ للَّهِ تعالى، فلا يَحِلُّ لأحَدٍ التصَرُّفُ فيها بغَيْرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ. ودليلُ الأوَّلِ أنَّ هذا انتفاعٌ خالٍ عنْ أَماراتِ الْمَفسدةِ، ولا مَضَرَّةَ فيهِ على المالِكِ، فكانَ مُباحًا قِياسًا على الشاهِدِ، يعني: أنَّ الانتفاعَ كذلكَ في الشاهِدِ مُباحٌ، مِثلُ: الاستظلالِ بجِدارِ الغيرِ. فكذلكَ التَّصَرُّفُ في الأشياءِ قبلَ الشَّرْعِ انتفاعٌ؛ لأنَّ الكلامَ فيما كانَ مَنفعةً ولا مَضَرَّةَ فيهِ ولا مَفسدةَ، والمالِكُ هوَ اللَّهُ سُبحانَهُ وتعالى مُتَعَالٍ عن التضَرُّرِ بذلكَ، فوَجَبَ القولُ بإباحتِهِ. ولْيُعْلَمْ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ ما كانَ خارجًا عنْ مَحَلِّ الضرورةِ: كالتنَفُّسِ وأكْلِ ما لا بُدَّ منهُ في بَقاءِ الصُّورةِ؛ فإنَّ هذا مُباحٌ وِفاقًا. وقدْ بَيَّنَ وَجْهَ تَعَلُّقِ هذهِ المسألةِ بالفروعِ بقولِهِ: (فإنْ لمْ يُوجَدْ في الشريعةِ ما يَدُلُّ على الإباحةِ يُتَمَسَّكُ بالأصلِ وهوَ الحظْرُ) .
(ومعنى استصحابِ الحالِ أنْ يُسْتَصْحَبَ الأصلُ عندَ عَدَمِ الدليلِ الشرعيِّ) .