فهرس الكتاب
هذا دليلٌ مِن الأدلَّةِ، يُرْجَعُ إليهِ عندَ عَدَمِ دليلٍ شَرْعِيٍّ يُخالِفُهُ، ومعناهُ استصحابُ حُكْمِ البراءةِ الأصليَّةِ، مِثلُ: وُجوبِ صلاةٍ زائدةٍ على الخمْسِ، الأصلُ عدَمُهُ؛ فإنَّ الصلواتِ كلَّها لمْ تكُنْ واجبةً، فلَمَّا وَجَبَتْ بَقِيَ ما زادَ عليها على ذلكَ الأصْلِ. وهكذا في جميعِ الأبوابِ، متى لمْ يَجِد المجتَهِدُ دَليلًا مُنافِيًا لاستصحابِ البراءةِ، حُكِمَ باستصحابِ الأصْلِ. وهذا مُعْتَمَدٌ باتِّفاقٍ عندَ عَدَمِ جميعِ الأدِلَّةِ مِن النَّصِّ والقياسِ والمفهومِ، وأمَّا استصحابُ الإجماعِ، فقد اخْتَلَفوا فيهِ، فاحتَجَّ بهِ قومٌ ورَدَّهُ آخَرُونَ، ومِثالُهُ: قولُنا في الْمُتَيَمِّمِ إذا رأى الماءَ في أثناءِ الصلاةِ: أنَّهُ يَمْضِي فيها ولا يَقْطَعُها؛ لأنَّهُم أَجْمَعوا على جَوازِ دُخولِهِ في الصلاةِ قبلَ الرُّؤْيَةِ، فيَسْتَصْحِبُ حُكْمَ هذا الإجماعِ بعدَ الرؤيَةِ، فيَمْضِي في الصلاةِ عَمَلًا بالاستصحابِ.
(وأمَّا الأدِلَّةُ، فيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ على الْخَفِيِّ، والمُوجِبُ للعلْمِ على الموجِبِ للظَّنِّ، والنطْقُ على القِياسِ، والقياسُ الْجَلِيُّ على الْخَفِيِّ، فإنْ وُجِدَ في النُّطْقِ ما يُغَيِّرُ الأصلَ وإلَّا فَلْيُسْتَصْحَب الحالُ) .
الغرَضُ مِنْ هذا الفصْلِ الكلامُ علي كَيْفِيَّةِ استعمالِ الأدِلَّةِ المذكورةِ، واستخراجِ الأحكامِ منها. فالظاهِرُ جَلِيٌّ بالإضافةِ إلى المُؤَوَّلِ، والمتواتِرُ مُوجِبٌ للعلْمِ فيُقَدَّمُ على الآحادِ، إلَّا إذا كانَ المتواتِرُ دَالًّا بطريقِ العُمُومِ، فيَجوزُ تَخصيصُهُ بما يُفيدُ الظَّنَّ مِنْ خبرِ الواحدِ والقياسِ على ما تَقَدَّمَ؛ فإنَّ الموجِبَ للعِلْمِ إذا كانتْ دَلالتُهُ قاطِعَةً قُدِّمَ على ما يُعارِضُهُ ممَّا يُوجِبُ الظنَّ، وإذا كانتْ دَلالتُهُ مُحْتَمِلَةً، وأَمْكَنَ الجمْعُ بينَهُ وبينَ ما يُعارِضُهُ، جُمِعَ. وقولُهُ: (يُقَدَّمُ النُّطْقُ [على القِياسِ) ، يعني: إذا كانَ النُّطْقُ] نَصًّا، فلوْ كانَ عامًّا واقْتَضَى القياسُ تخصيصَهُ، ففي ذلكَ ما تَقَدَّمَ مِن الكلامِ في تخصيصِ العُمومِ بالقياسِ، فليسَ تقديمُ النطْقِ على القِياسِ مُطْلَقًا، بل التفسيرُ الذي ذَكَرْنَاهُ. والقياسُ الْجَلِيُّ مِثلُ قِياسِ العِلَّةِ يُقَدَّمُ على قِياسِ الشَّبَهِ؛ لأنَّهُ خَفِيٌّ بالإضافةِ إلى قِياسِ العِلَّةِ. وقولُهُ: (وإنْ وُجِدَ في النطْقِ ما يُغَيِّرُ الأصلَ وإلَّا فلْيُسْتَصْحَب الحالُ) ، كلامٌ ناقصٌ؛ فإنَّ العُدُولَ إلى الاستصحابِ لا يكونُ إلَّا عندَ عَدَمِ النُّطْقِ فقطْ، بلْ عندَ عَدَمِ المنطوقِ والمفهومِ والقياسِ جَميعًا، فإنَّما يُعْدَلُ إليهِ عندَ عَدَمِ جميعِ ما يُسَمَّى دليلًا غيرَهُ.
(ومِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي أنْ يكونَ عالِمًا بالفِقْهِ أصلًا وفَرْعًا، خِلافًا ومَذْهبًا، وأنْ يكونَ كَامِلَ الأدِلَّةِ في الاجتهادِ، عارفًا لجميعِ ما يُحتاجُ إليهِ في الأَحكامِ، مِن النَّحْوِ واللُّغةِ ومَعرِفَةِ الرجالِ، وتَفسيرِ الآياتِ الواردةِ في الأحكامِ والأخبارِ الواردةِ فيها) .
المُفْتِي: اسمُ فاعلٍ مِنْ أَفْتَى يُفْتِي، فهوَ مُفْتٍ، مِثلُ: أَغْنَى يُغْنِي فهوَ مُغْنٍ، وكانَ أصْلُ الكلمةِ مِنْ قولِهم: فَتًى بَيِّنُ الفُتُوَّةِ؛ أي: الحُرِّيَّةِ والكرَمِ، فقيلَ لِمَنْ يُبَيِّنُ الصوابَ مِن الخطأِ: أَفْتَى مِنْ ذلكَ؛ أيْ: بَيَّنَ أَمْرًا كَريمًا، وهوَ الحَقُّ المطلوبُ بالسؤالِ.
وقولُهُ: (عالِمًا بالفِقْهِ أَصلًا وفَرْعًا) ، فيهِ تَجَوُّزٌ؛ فإنَّ الأصولَ ليستْ مِن الفِقْهِ، وإنَّما مُرادُهُ أنْ يكونَ عالِمًا بطُرُقِ الأحكامِ: الأُصولِ والفروعِ. فالأصولُ: أنْ يكونَ عالِمًا بالنصوصِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ المتعَلِّقَةِ بالأحكامِ، ووَجْهِ دَلالتِها مِن النَّصِّ والظاهرِ والمؤَوَّلِ والناسخِ والمنسوخِ، وكيفيَّةِ الاستدلالِ بها، مِثلُ: تقديمِ الخاصِّ على العامِّ، وتَنزيلِ الْمُجْمَلِ على الْمبَيَّنِ، وحَمْلِ المطلَقِ على الْمُقَيَّدِ. ولا يُشْتَرَطُ أن يكونَ حافظًا للكتابِ العزيزِ، ولا لآياتِ الأحكامِ منهُ، بلْ أنْ يكونَ عارفًا بوجْهِ دَلالتِها على الأحكامِ. وكذلكَ لا يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ مُحِيطًا بجميعِ السُّنَنِ والآثارِ؛ فإنَّ ذلكَ لا يَكادُ يَتَهَيَّأُ لأَحَدٍ، بلْ شَرْطُهُ أنْ يَعْلَمَ وُجوهَ أَدِلَّةِ الأخبارِ الواردةِ في الأحكامِ. وكذلكَ يَجِبُ أنْ يكونَ عالِمًا بالقِياسِ وما يُقْبَلُ منهُ وما يُرَدُّ، وطُرُقِ التعليلِ، وكيفيَّةِ الترجيحِ عندَ تَعارُضِ الأَقْيِسَةِ.
وأمَّا الفُرُوعُ فمعناهُ: أنْ يكونَ عالِمًا بأحكامِ آحادِ المسائلِ المفروضةِ في عِلْمِ الفروعِ، وما فيها مِن الخِلافِ والوِفاقِ، مُسْتَحْضِرًا لجُملةٍ غَالِبَةٍ مِنْ ذلكَ في كلِّ بابٍ مِنْ أبوابِ الفِقْهِ، كما جَرَتْ عَادَةُ أئِمَّةِ الْمَذاهِبِ في تَدْوِينِ ذلكَ في كُتُبِهم، والإشارةِ إلى دليلِ كلِّ مَسألةٍ.