الصفحة 50 من 53

وقولُهُ: (خِلافًا) ، يعني: أنْ يكونَ عالِمًا باخْتلافِ العُلماءِ في أحكامِ الوَقائعِ الفُروعيَّةِ، مِنْ قولِ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بَعْدَهم. ولا يَكْفِي ما يُفْهَمُ مِنْ مُطْلَقِ اسمِ الخلافِ الآنَ، وهوَ عِلْمُ الخِلافِ بينِ الإمامَيْنِ الشافعيِّ وأبي حَنيفةَ فقطْ؛ فإنَّ ذلكَ لا يَكْفِي في كونِ الإنسانِ مُجْتَهِدًا، بلْ لا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بجُملةٍ مِنْ أقوالِ العلماءِ غيرِ الإمامَيْنِ في الأحكامِ الفرعيَّةِ.

وقولُهُ: (ومَذْهبًا) ، يعني: إذا كانَ المجتَهِدُ مُقَيَّدًا، يَنْتَحِلُ مَذهبَ إمامٍ مِن الأَئِمَّةِ المَشْهُورِينَ بالتَّقْلِيدِ، فيَجِبُ أنْ يكونَ عالِمًا بقَواعدِ مَذْهَبِ ذلكَ الإمامِ. هذا هوَ المفهومُ مِنْ إطلاقِ لفظِ الْمَذهَبِ بعدَ حُدوثِ الْمَذاهِبِ المشهورةِ، فَعِلْمُ الْمَذهَبِ عبارةٌ عن الإحاطةِ بقَواعدِ مَذهَبِ إمامٍ مِنْ هؤلاءِ الأَئِمَّةِ، والعلْمِ بغالِبِ نُصوصِهِ في الوَقائعِ.

وأمَّا المجتَهِدُ المُطْلَقُ، وهوَ المفهومُ مِنْ لفظِ المجتَهِدِ والمُفْتِي في إِطْلاقِ أُصولِ الْفِقْهِ، فشَرْطُهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ عِلْمِ الكتابِ والسُّنَّةِ واختلافِ أقوالِ العُلماءِ ووِفاقِهم. والْمَذْهَبُ في حقِّهِ هوَ ما يَذْهَبُ هوَ إليهِ؛ لأنَّهُ لا يُقَلِّدُ غيرَهُ. فذِكْرُ الْمَذهَبِ في شرائطِ المُفْتِي في أُصولِ الفِقهِ مُطْلَقًا غَيْرُ لائقٍ، بل الْوَاجِبُ ذِكْرُ ما يُعْتَبَرُ في المُجْتَهِدِ المُطْلَقِ، ثمَّ الكلامُ فيما يُعْتَبَرُ في المجتَهِدِ المُقَيَّدِ إنْ قيلَ: مِثْلُهُ يَجْتَهِدُ ويُفْتِي.

والمُجْتَهِدُ أَعَمُّ مِن الْمُفْتِي؛ فإنَّ كُلَّ مُفْتٍ مُجْتَهِدٌ، إذْ لا يَحِلُّ لِمَنْ ليسَ لهُ أَهْلِيَّةُ الاجتهادِ أنْ يُفْتِيَ، وليسَ كلُّ مُجْتَهِدٍ مُفْتِيًا؛ لأنَّ المجتَهِدَ هوَ الكاملُ الأَدِلَّةِ في الاجتهادِ. ومَن اجْتَمَعَ فيهِ شُروطُ الاجتهادِ وَجَبَ عليهِ الأَخْذُ بالاجتهادِ في الأحكامِ عَدْلًا كانَ أوْ غيرَ عَدْلٍ. وأمَّا الْمُفْتِي فيَجِبُ أنْ يكونَ معَ ذلكَ عَدْلًا؛ لأنَّهُ يُخْبِرُ عن الأحكامِ، ومِنْ شَرْطِ قَبولِ الخبرِ عَدالةُ الْمُخْبِرِ.

وقولُهُ: (وأنْ يكونَ كاملَ الأَدِلَّةِ في الاجتهادِ) ، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بكاملِ الأدِلَّةِ كونَهُ صحيحَ الذهْنِ، رَصينَ العقلِ، بحيثُ لا يَتَشَوَّشُ إدراكُهُ عندَ اختلافِ الأدِلَّةِ وتَعارُضِها. وذلكَ لا بُدَّ منهُ في المجتَهِدِ والمفتِي والحاكِمِ؛ فإنَّ مَنْ ليسَ كذلكَ لا يُوثَقُ بِخَبَرِهِ، ويُتَّهَمُ في نَظَرِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُريدَ بذلكَ ما ذَكَرَهُ مِنْ قولِهِ: (عارِفًا بجميعِ ما يُحتاجُ إليهِ إلى آخِرِهِ) ، تفسيرًا لقولِهِ: كاملَ الأَدِلَّةِ.

والقدْرُ الذي يَحتاجُ إليهِ المجتَهِدُ مِن النحوِ هوَ ما يَعْرِفُ بهِ إعرابَ الكلامِ، ووجْهَ دَلالتِهِ على الأحكامِ، لا أنْ يكونَ مُتَبَحِّرًا فيهِ بحيثُ يَعْرِفُ غَرائبَ التصريفِ وشوارِدَهُ. وأمَّا اللغةُ، فالقدْرُ المحتاجُ إليهِ منها معرِفَةُ معاني الألفاظِ المفرَدَةِ الواقعةِ في آياتِ الأحكامِ مِن الكتابِ العزيزِ، والأخبارِ الواردةِ في الأحكامِ مِن السُّنَّةِ، دُونَ ما جاءَ مِن اللغةِ مِن الغريبِ وما لا تَدْعُو الحاجةُ إليهِ غالبًا.

وأمَّا مَعْرِفَةُ الرجالِ، فَيَعْنِي: رِجالَ الأخبارِ الْمَرْوِيَّةِ في الأحكامِ، يُريدُ أنْ يَعْرِفَ طَرَفًا مِن الجَرْحِ والتعديلِ، فيَعْرِفَ المشهورينَ بالعدالةِ والمشهورينَ بالْجَرْحِ؛ ليَتَجَنَّبَ روايَةَ المجروحِ ويَأخُذَ بروايَةِ العَدْلِ. وإذا أَخَذَ الأخبارَ مِن البخاريِّ ومُسلِمٍ لمْ يَحْتَجْ إلى مَعرِفَةِ رجالِهما؛ لأنَّ ما في هذَيْنِ الكتابيْنِ مَرسومٌ بالصحيحِ، وتَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبُولِ.

وأمَّا تفسيرُ الآياتِ الواردةِ في الأحكامِ، فالمرادُ مِنْ مَعرِفَةِ ذلكَ ما يَتَعَلَّقُ بفِقْهِ تلكَ الآياتِ وفِقْهِ تلكَ الأخبارِ فقطْ دونَ القَصَصِ.

وقولُهُ: (والأخبارِ الواردةِ فيها) ، يعني: في الأحكامِ، ليسَ على ظاهِرِهِ؛ فإنَّ المجتَهِدَ لا يُشْتَرَطُ فيهِ أنْ يكونَ عارِفًا بجميعِ الأخبارِ الواردةِ في الأحكامِ، فَضْلًا عنْ أنْ يكونَ عارفًا بتفسيرِها؛ فإنَّ ذلكَ لا يَكادُ يَتَّفِقُ لأحَدٍ، وقدْ قالَ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ:"ولا تَجتمِعُ السُّنَنُ كلُّها عندَ واحدٍ". فالمرادُ إذًا أنْ يكونَ عالِمًا بتفسيرِ جُملةٍ غالبةٍ مِن الأخبارِ الواردةِ في الأحكامِ، وذلكَ مِن الأخبارِ المشهورةِ عندَ أهلِ العلْمِ. فأمَّا الأحاديثُ الغريبةُ، وغريبُ الحديثِ، فلا يُشْتَرَطُ ذلكَ في المجتَهِدِ، وإنْ كانَ عِلْمُهُ بهِ يَزيدُهُ تَمَكُّنًا في الاجتهادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت