الصفحة 51 من 53

ولْيُعْلَمْ أنَّ هذا المجموعَ الذي شَرَطُوهُ في المجتَهِدِ يكادُ يكونُ مَعدومًا، مُتَعَذِّرَ الوجودِ، أوْ عَسيرَ الوُجودِ؛ فإنَّ حاصلَهُ أنْ يكونَ عندَ المجتَهِدِ مِن العلومِ ما يُفيدُهُ قُوَّةً يَقْتَصُّ بها للأحكامِ في الوقائعِ الحادثةِ في جميعِ أبوابِ العلْمِ. وقدْ أُخِذَت الأحكامُ عنْ جماعةٍ مِن الصَّدْرِ الأَوَّلِ لمْ يكُونوا كذلكَ، بلْ رُبَّما كانَ الواحدُ منهم خَبِيرًا ببابٍ مِنْ أبوابِ العلْمِ، ليسَ خبيرًا بغَيْرِهِ، وهوَ معَ ذلكَ مُفْتٍ في ذلكَ البابِ الذي هوَ عالِمٌ بهِ، مِنْ غيرِ إنكارٍ عليهِ في ذلكَ. وكانَ الْحُفَّاظُ مِنْ أَئِمَّةِ الحديثِ الذينَ لا حَظَّ لهم في القِياسِ، يُفْتُونَ بما عندَهم مِن الأحاديثِ، ولا يُنْكَرُ عليهم ذلكَ.

(ومِنْ شَرْطِ المُسْتَفْتِي أنْ يكونَ مِنْ أهلِ التقليدِ، فيُقَلِّدَ المفتِيَ في الفَتْوَى، وليسَ للعالِمِ أنْ يُقَلِّدَ، وقيلَ: يُقَلِّدُ) .

يُقَالُ: ما فائدةُ (مِنْ) الْمُبَعِّضَةِ في قولِهِ: (ومِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي) ، وقولِهِ: (ومِنْ شَرْطِ المُسْتَفْتِي) ؟

والجوابُ: أنَّ هذهِ الشروطَ مُعْتَبَرَةُ الحكْمِ بجوازِ الاجتهادِ للمُجتَهِدِ، وجوازِ التقليدِ للمُقَلِّدِ، وذلكَ أمْرٌ حُكْمِيٌّ مُتَوَهَّمٌ، إنَّما يَصيرُ واقعًا مُحَقَّقًا عندَ حُدوثِ الحادثةِ، وسؤالِ المقلِّدِ المجتَهِدَ عنها، فحينئذٍ يَتَحَقَّقُ الاجتهادُ بالفعْلِ، والتقليدُ كذلكَ، فوُجودُ الواقعةِ حينئذٍ مِنْ شَرْطِ كونِ الْمُجْتَهِدِ مُجْتَهِدًا، والجاهِلِ مُقَلِّدًا، فصَحَّ دُخولُ (مِنْ) التَّبْعِيضِيَّةِ فيما ذَكَرَ.

وليسَ في قولِهِ: (أنْ يكونَ مِنْ أهلِ التقليدِ) ، ما يُفيدُ مَعرِفَةَ الْمُقَلِّدِ ما هُوَ؛ فإنَّ مَنْ كانَ أَهْلًا للتقليدِ هوَ الذي يَجوزُ لهُ أنْ يَسْتَفْتِيَ العالِمَ، فلوْ صَحَّ تفسيرُ المُسْتَفْتِي بأنَّهُ مَنْ لهُ أَهْلِيَّةُ التقليدِ لصَحَّ أنْ يُعْكَسَ ويُقالَ: الذي لهُ أَهْلِيَّةُ التقليدِ هوَ المستفتِي، فعُلِمَ أنَّ هذا تَعريفٌ دَائِرٌ. والأجوَدُ قولُ مَنْ قالَ: المُسْتَفْتِي هوَ الذي لا يكونُ مُسْتَجْمِعًا لِمَا ذُكِرَ مِنْ شَرَائِطِ الاجتهادِ.

وقولُهُ: (فَيُقَلِّدَ المفتِيَ في الفَتْوى) ، فيهِ إشارةٌ إلى مسألتَيْنِ:

إحدَاهُما: أنَّ الجاهلَ لا يَجوزُ لهُ تَقليدُ كُلِّ أَحَدٍ، إنَّما يَجوزُ لهُ تَقليدُ المفتِي، وهوَ المستجْمِعُ لِمَا تَقَدَّمَ.

والثانيَةُ: أنَّهُ إنَّما يَجوزُ التقليدُ في الفَتْوَى فَقَطْ، ولا يَجوزُ في الأفعالِ، فإذا رأى الجاهِلُ العالِمَ يَفعلُ شيئًا لمْ يَجُزْ لهُ تقليدُهُ في فِعْلِهِ بِمُجَرَّدِ كونِهِ فاعلًا.

وأمَّا العالِمُ وهوَ القادرُ على الاجتهادِ كما سَبَقَ، فلا يَجوزُ لهُ التقليدُ على القولِ المشهورِ في الأصولِ، سَوَاءٌ قَلَّدَ مَنْ هوَ أَعْلَمُ منهُ أوْ مَنْ هوَ دُونَهُ أوْ مَنْ هوَ مِثلُهُ، واحْتَجُّوا على ذلكَ: بأنَّهُ قادرٌ على تحصيلِ الحُكْمِ المطلوبِ بنفسِهِ، فلا يَجوزُ لهُ تقليدُ غيرِهِ فيهِ، ورُبَّما قاسُوا ذلكَ على البصيرِ في القِبْلَةِ؛ فإنَّهُ لا يُقَلِّدُ غيرَهُ في أَدِلَّتِها إذا كانَ عالِمًا بالأَدِلَّةِ، وهذا إِثْبَاتٌ لمسألةٍ أُصولِيَّةٍ بالقياسِ على مسألةٍ فَرعيَّةٍ. وعنْ أحمدَ بنِ حَنبلٍ وإسحاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ وسفيانَ الثوريِّ تَجويزُ تَقليدِ العالِمِ مُطْلَقًا.

وعنْ مُحَمَّدِ بنِ الحسَنِ: يَجوزُ للعالِمِ تَقليدُ مَنْ هوَ أَعْلَمُ منهُ، ولا يَجوزُ لهُ تقليدُ مَنْ هوَ دونَهُ ولا مَنْ هوَ مِثْلُهُ. وقيلَ: يَجوزُ للعالِمِ التقليدُ فيما يَقَعُ لهُ مِن الحوادثِ، لِيَعْمَلَ بقولِ مُقَلِّدِهِ. فأمَّا إذا كانت الحادثةُ لغيرِهِ، فلا يَجوزُ لهُ أنْ يُقَلِّدَ غيرَهُ ليُفْتِيَ أوْ يَحْكُمَ بقولِهِ.

(والتقليدُ: قَبولُ قولِ القائلِ بلا حُجَّةٍ، فعلى هذا قَبولُ قولِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يُسَمَّى تَقليدًا. ومنهم مَنْ قالَ: التقليدُ قَبولُ القائلِ وأنتَ لا تَدْرِي مِنْ أينَ قالَهُ، فإنْ قُلْنَا: النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ كانَ يقولُ بالقياسِ، فيَجوزُ أنْ يُسَمَّى قَبولُ قولِهِ تَقليدًا) .

أصلُ التقليدِ في اللغةِ: مِن القِلادةِ، فكأنَّ مَنْ قَبِلَ قولَ غيرِهِ قَلَّدَهُ ذلكَ القولَ. ورَسْمُ التقليدِ أنَّهُ قَبولُ قولِ القائلِ بلا حُجَّةٍ؛ أيْ: بغيرِ ذِكْرِ دَليلِ ذلكَ الحكْمِ؛ ولهذا صَحَّ قولُهُ: (فعلى هذا قَبولُ قولِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يُسَمَّى تَقليدًا) ؛ لأنَّ ما يَأتي بهِ مِن الحكْمِ يَجِبُ الأخْذُ بهِ مِنْ غيرِ ذِكْرِ دليلِ ذلكَ الحكْمِ، وإنْ كانَ قدْ أقامَ الْحُجَّةَ الموجِبَةَ لقَبولِ قولِهِ أوَّلًا بالْمُعْجِزِ الدَّالِّ على رِسالتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت