فهرس الكتاب
ومَنْ قالَ: التقليدُ قَبولُ قولِ القائلِ وأنتَ لا تَدْرِي مِنْ أينَ قالَهُ، يعني: لا يُعْلَمُ مأْخَذُ ذلكَ الحكْمِ عندَ قائلِهِ. وقولُهُ: (فإنْ قُلْنَا النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ كانَ يقولُ بالقِياسِ) ، يَعْنِي: يَجْتَهِدُ ولا يَقتصِرُ على الوحيِ. في هذهِ المسألةِ خِلافٌ بَينَ أهلِ الأصولِ:
قالَ بعضُهم: كانَ يَجتهِدُ؛ لأنَّهُ إذا كانَ يَجوزُ الاجتهادُ للعُلماءِ، فهوَ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ أَوْلَى بذلكَ. وقالَ آخَرُونَ: لمْ يكُنْ يَجْتَهِدُ، واحْتَجُّوا بقولِهِ تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} . فمَنْ قالَ: كانَ عليهِ السلامُ يَجتهِدُ، جازَ أنْ يُسَمَّى قَبولُ قولِهِ في الأحكامِ تَقليدًا؛ لأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ عنْ وَحْيٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ عن اجتهادٍ.
ومَنْ قالَ: لمْ يكُنْ مُجْتَهدًا، بلْ إنَّما يقولُ عن الوحيِ، لمْ يُطْلِق التقليدَ على قَبولِ قولِهِ عليهِ السلامُ؛ لأنَّ قولَهُ حينئذٍ لا يكونُ إلَّا مُسْتَنِدًا إلى الوحيِ.
(وأمَّا الاجتهادُ: فهوَ بَذْلُ الوُسْعِ في بلوغِ الغَرَضِ، والمجتهِدُ وإنْ كانَ كاملَ الأدِلَّةِ فإن اجْتَهَدَ في الفروعِ وأصابَ فَلَهُ أَجرانِ، وإن اجْتَهَدَ وأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ واحدٌ. ومِنهم مَنْ قالَ: كُلُّ مُجتَهِدٍ في الفُروعِ مُصِيبٌ) .
الاجتهادُ: افْتِعَالٌ مِن الْجُهْدِ في الأمْرِ، بمعنى: المبالَغَةِ فيهِ. والمرادُ بالوُسْعِ: ما يُمْكِنُ الإنسانَ مِن الاجتهادِ، والغرَضُ هنا: هوَ الحكْمُ المطلوبُ بالاجتهادِ. وكَمالُ آلةِ المجتَهِدِ باستجماعِهِ ما تَقَدَّمَ بيانُهُ، فإذا كَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ واجتَهَدَ وأصابَ، كانَ لهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ الاجتهادِ وأَجْرُ الإصابةِ، وإنْ أَخْطَأَ كانَ لهُ أَجْرٌ واحدٌ، وهوَ أَجْرُ الاجتهادِ. وهذا هوَ المشهورُ مِنْ مَذهبِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، أنَّ المُصِيبَ مِن المُجْتَهِدَيْنِ المختلِفَيْنِ واحدٌ، ولا إِثْمَ على الْمُخْطِئِ. وقالَ بعضُ أصحابِنا: لا قولَ للشافعيِّ سِوَى هذا. وقالَ قومٌ: لهُ قَولانِ؛ أحدُهما هذا، والثاني: تَصويبُ الجميعِ. ومَنْ قالَ ذلكَ، مِنْ دليلِهِ أنَّ كُلَّ واحدٍ يَجِبُ عليهِ الأخْذُ باجتهادِهِ، فلوْ كانَ خَطَأً لمْ يَجُز الأَخْذُ بهِ فَضْلًا عن الوُجوبِ، وأيضًا فإنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم يَخْتَلِفونَ في الوقائعِ ويُقَلِّدُ كلًّا منهم أَتْبَاعُهُ وغيرُهم، فلا يُنْكِرُ أحَدٌ منهم ذلكَ، ولو اعْتَقَدَ أحَدٌ منهم الْخَطَأَ في غيرِ قولِهِ لأَنْكَرَ على مَنْ يَأْخُذُ بهِ. ومِنْ دليلِ القولِ الأوَّلِ ما سَنَذْكُرُهُ مِن الحديثِ. ومِنْ لطيفِ ما احْتُجَّ بهِ لهذا القولِ قولُ مَنْ قالَ: القولُ بأنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ، يَلْزَمُ منهُ صِحَّةُ قولِ مَنْ قالَ: ليسَ كُلُّ مُجتَهِدٍ مُصيبًا، أوْ بُطلانُهُ في نفسِهِ؛ لأنَّ المجتَهِدَ القائلَ باجتهادِهِ ليسَ كُلُّ مُجتَهِدٍ مُصيبًا، إمَّا أنْ يَعتقدَ القائلُ: كلُّ مُجتَهِدٍ مصيبٌ، بُطلانَ قولِهِ أوْ صِحَّتَهُ، فإن اعْتَقَدَ بُطلانَهُ فقدْ نَقَضَ قَوْلَهُ، وحَكَمَ بخطأِ المجتَهِدِ، فليسَ كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصيبًا عندَهُ، فَبَطَلَ قولُهُ. وإن اعتَقَدَ صِحَّةَ قولِهِ، فقدْ سَلَّمَ أنَّ الحقَّ يُخْطِؤُهُ بعضُ المجتَهِدِينَ.
وأُجيبَ عنْ هذا، بأنَّ هذا الخِلافَ إنَّما هوَ في مَسائلِ الفروعِ دُونَ مَسائلِ الأصولِ. ومسألةُ تَصويبِ المجتَهِدينَ مَسألةٌ أُصولِيَّةٌ. وهوَ مُغالَطَةٌ؛ فإنَّ المرادَ بمسائلِ الأصولِ التي اتَّفَقَ الجمهورُ على خروجِها عنْ هذا الْخِلافِ، إنَّما هيَ المسائلُ الكلاميَّةُ التي مِنْ أصولِ العقائدِ. ومِنْ دليلِ هذا القولِ: أنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم كانوا يَتناظَرُونَ عندَ الاختلافِ في أَحكامِ الوقائعِ، وكانَ كلٌّ منهم يَطلُبُ رجوعَ مُناظِرِهِ إلى قولِهِ. فلولا اعتقادُهم أنَّ المصيبَ واحدٌ، وإلَّا لمْ يُناظِرُوا، وكانَ كلُّ واحدٍ منهم يَقتصِرُ على العمَلِ بما أدَّاهُ إليهِ اجتهادُهُ مِنْ غيرِ مُناظَرَةٍ، ولا دعا غيرَهُ إلى مَذْهَبِهِ. ومِنْ دليلِ هذا القولِ: أنَّ الاجتهادَ قدْ يُفْضِي بالمُجْتَهِدِينَ إلى قَولَيْنِ مُتناقِضَيْنِ، كقولِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: لا يَمْتَنِعُ الرَّدُّ بالعيبِ بِوَطْئِ الثَّيِّبِ، وقولِ أبي حَنيفةَ: يَمتنِعُ. فلوْ كانا مُصِيبَيْنِ لَزِمَ الجمْعُ بينَ النقيضَيْنِ.
(ولا يَجوزُ أنْ يُقالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ في الأصولِ مُصيبٌ؛ لأنَّ ذلكَ يُؤَدِّي إلى تصويبِ أهلِ الضلالةِ مِن النَّصَارَى والمَجُوسِ والكُفَّارِ والْمُلْحِدِينَ) .