‹
الصفحة 53 من 53

هذا هوَ المشهورُ عندَ عُلماءِ الإسلامِ، أنَّ الصوابَ في مَسائلِ الْخِلافِ في العقائدِ واحدٌ. ونُقِلَ عنْ عُبيدِ اللَّهِ بنِ الْحَسَنِ العَنْبَريِّ أنَّهُ قالَ: كلُّ مُجتهِدٍ في الأصولِ مُصيبٌ. فمِن الناسِ مَنْ حَمَلَ [هذا منْهُ] على إطلاقِهِ، وأَلْزَمَهُ تصويبَ أهلِ الضلالاتِ كلِّهم: مِن النَّصَارى القائلينَ: بالتَّثْلِيثِ، والمَجُوسِ القائلينَ: بالأصْلَيْنِ للعالَمِ؛ النورِ والظُّلْمَةِ، وسائرِ أصنافِ الكُفَّارِ المخالِفينَ في التوحيدِ، وبَعْثَةِ الرسُلِ، والْمَعادِ في الآخِرَةِ، والْمُلْحِدِينَ الذينَ أَلْحَدُوا في أسماءِ البَارِي كالقائلينَ: إنَّهُ ليسَ خالقًا لأفعالِ العِبادِ، وفي صِفاتِهِ كالقائلينَ: إنَّهُ ليسَ مَرْئِيًّا في الدارِ الآخِرَةِ، وأنَّهُ غيرُ مُتكلِّمٍ بكلامٍ قديمٍ. ومِن الناسِ مَنْ قالَ: مَذهَبُ العَنْبَرِيِّ: أنَّ الْخِلافَ الواقِعَ في مَسائلِ العقائدِ بينَ المسلمينَ وغيرِهم مِن الْمِلَلِ والنِّحَلِ، الحَقُّ فيهِ واحدٌ، ولا يَجوزُ غيرُ ذلكَ، وإنَّما أَرادَ بما أَطْلَقَهُ مِن التصويبِ في مَسائلِ الأصولِ الخِلافَ الواقعَ بينَ أهلِ القِبلةِ مِنْ ذلكَ: كالخِلافِ الواقعِ بينَ المعتزِلةِ والأشعرِيَّةِ في إثباتِ صفاتِ اللَّهِ تعالى مِن الكلامِ والإرادةِ وغيرِهما، فقالت الأشاعرةُ بثُبُوتِ الصفاتِ، وأَنْكَرَ المعتزِلَةُ ذلكَ، وكذلكَ الخِلافُ بينَ القائلينَ: بالجِهةِ للبَارِي تعالى وغيرِهم، والقائلينَ: بقِدَمِ الحُرُوفِ والأصواتِ والمخالِفينَ لهم، ونحوِ ذلكَ؛ فإنَّ هذهِ الاختلافاتِ لمْ يكُن الحاملَ عليها إلَّا اعتقادُ كلِّ واحدٍ مِن الطائفتَيْنِ إِفْضَاءَ قولِ مخالِفِهِ إلى نِسبةِ ما لا يَجوزُ نِسبتُهُ إلى الباري تعالى، فهوَ مَعذورٌ حيثُ قَصَدَ تعظيمَ الإلهِ تعالى. وهذا التمَسُّكُ يَلْزَمُ منهُ تصويبُ المخالِفينَ مِنْ غيرِ أهلِ القِبلةِ أيضًا؛ فإنَّ كُلًّا منهم يَزْعُمُ أنَّهُ إنَّما قَصَدَ الحقَّ، وتَعظيمَ خالِقِهِ تعالى. وحُجَّةُ القولِ الصحيحِ ما ظَهَرَ مِنْ إنكارِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم على الْمُبْتَدِعَةِ مِن القَدَرِيَّةِ والخوارجِ، والنهْيِ عن اتِّبَاعِهم، واسْتِتَابَتِهم عنْ بِدْعَتِهم، بخِلافِ رَأْيِهم في الأحكامِ الفرعيَّةِ؛ فإنَّهُم كانوا يُوَسِّعُونَ القولَ فيها ولا يُنْكِرونَ على مَن اتَّبَعَ قولَ بعضِهم. وخالَفَ آخرينَ، فدَلَّ ذلكَ على اعتقادِهم أنَّ الحقَّ في مسائلِ الاعتقادِ واحدٌ، وما عَدَاهُ باطلٌ حرامٌ اعتقادُهُ.

(ودليلُ مَنْ قالَ: ليسَ كلُّ مُجتَهِدٍ في الفروعِ مُصيبًا، قولُهُ عليهِ السلامُ:(( مَنِ اجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنِ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ ) )، وجهُ الدليلِ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ خَطَّأَ المجتَهِدَ تارةً وصَوَّبَهُ أُخْرَى).

وجهُ الدَّلالةِ مِنْ هذا ظاهرٌ كما ذَكَرَهُ، وهوَ حديثٌ مشهورٌ خَرَّجَهُ مُسلِمٌ مِنْ حديثِ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، ولفظُهُ في الصحيحِ: (( إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَحَكَمَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ) ).

وهذا آخِرُهُ واللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت