فهرس الكتاب
ألا ترى أنَّ يومَ يأتيهم، منصوب بخبر ليس الذي هو «مصروف» وقد تقدم عليه، وتقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، فتقديم «يوم» يؤذن بتقديم «مصروفاً» فثبت بهذا أن تقديم خبر ليس جائز.
والمانع من تقديم خبر ما زال وما انفكَّ وما فتىء وما بَرِحَ أنها أفعال قد نُفيت بما والأفعال إذا نفيت بما لم يتقدَّم معمولها عليها. والذي يجيز التقديم حجته أنّها وإن كانت منفية في اللفظ فإنّها موجبة في المعنى، فكما أنَّ الفعل إذا كان موجباً يتقدَّم معموله عليه فكذلك هنا. وأيضاً فإنَّ حرف النفي قد تنزَّل من هذه الأفعال منزلة الجزء من الكلمة، فكأنَّه قد صار حرفاً من حروف هذه الأفعال، فكأنَّك لم تدخل على الفعل شيئاً يمنع من تقديم المعمول.
وهذا كلُّه لا حجة فيه، لأنَّ العرب إنّما تلحظ لفظ «ما» لا معناها في معنى التقديم.
ألا ترى أنّك تقول: ما ضربتُ غيرَ زيدٍ، ولا تقول: غيرَ زيدٍ ما ضربتُ، وإن كان الضرب في حَقّ زيد موجباً، وكذلك ما ضربَ زيداً إلاّ عمروٌ، لا يجوز أن تقول زيداً ما ضربَ إلاّ عمروٌ، وأما لزوم النفي لهذه الأفعال فهو مقوَ لمنع التقديم لأنَّ المانع إذا كان غير لازم كان أضعف منه إذا كان لازماً.
فالصحيح إذن منع تقديم معمول هذه الأفعال.
والذي يجوز تقديم خبره باتفاق ما بقي من الأفعال إذا لم يدخل عليه حرف من حروف المصدر نحو كانَ وأمسى وأصبح.
والأفعال التي ثبت أنّه يجوز تقديم أخبارها عليها تنقسم ثلاثة أقسام: قسم عرض له ما أوجب فيه تقديم الخبر على الفعل، وقسم عرض له ما أوجب فيه تأخيره، وقسم أنت فيه بالخيار.