فهرس الكتاب
ومن ذلك قوله:
وكان مُضِلِّي مَن هُدِيتُ برُشدِهِ ... فللَّهِ غاوٍ عادَ بالرُشدِ آمِرا
فأثبت الهداية لنفسه. ولو قال: فكان هادِيّ من أضللتُ بهِ لكان قد أثبتَ الإضلال. قال: وقد غلط في هذا جُلّةُ الشعراء، فمن ذلك قولهُ:
ثيابُ كريمٍ لا يصونُ حِسانها ... إذا نُشرت كان الهِباتُ صوانِها
قال: فذمّه وهو يرى أنّه مدحه، ألا ترى أنّه قد أثبت الصونَ ونفى عنه الهِبات كأنّه قال: الذي يقوم لها مقامَ الهِبات أن تُصان، ولو قال: كان الهِباتِ صوانُها، فكان يَهَبُ ولا يَصون، كأنّه قال: كان الذي يقوم لها مقام الصِوان أن توهب.
وهذا الذي قاله لا يتصور إلا حيث يكون الخبر عين المبتدأ بل مُنزَّل منزلته وقائم مقامه، وذلك: كان زيدٌ زُهيراً، إذا أردت تشبيه زيد بزهير فيما مضى، فإن أردت عكس هذا قلت: كان زهيرٌ زيداً.
فأما إذا كان الثاني هو الأول فإنَّ المعنى على كل حال واحد نحو: كان أخو عمروٍ زيداً، فأما قوله:
فكان مُضِلّي من هُديتُ برشدِهِ .. .. .. .. البيت
فإنَّ المعنى واحد جعلت الخبر مُضِلّي أو مَنْ هُديتُ إذا أردت أنَّ الهداية والإضلال وقعا فيما مضى. ألا ترى أنك إذا قلت: كان مُضِلّي فيما مضى من وقعت الهدايةُ منه إليَّ، وكان من وقَعتْ الهدايةُ منه إليَّ مُضِلّي فيما مَضَى، كان المعنى واحداً. وإنّما كان يختلف المعنى لو كان