فهرس الكتاب
فأصبحَ بطنُ مَكّةَ مُقشعِرّاً ... كأنّ الأرضَ ليس بها هِشام
وذلك أنَّ هذا الشاعر يرثي هشاماً، فمعلوم أنّه ليس بالأرض، والمعنى إذن: لأنَّ الأرض ليس بها هشام إذ محال أن يقول الإنسان: كأنَّ الأرض ليس بها هشام على جهة التشبيه وهشام ليس بالأرض.
وهذا البيت لا حجّةَ فيه لاحتمال أن تكون كأنَّه فيه للتشبيه، وذلك أنَّ هشاماً وإن كان قد مات فجسده في الأرض، فكان ينبغي لبطن مكة بسبب ذلك أن لا يتغيّر، فلما تغيّر بطن مكة واقشعرَّ صارت الأرض كأنَّ هشاماً ليس بها.
وزعم أبو الحسن بن الطراوةَ أَنَّ كأَنَّ تكون بمعنى ظننت، واستدلَّ على ذلك بأنّك تقول: كأنَّ زيداً قائمٌ، والقائم هو زيد والشيء لا يشبّه بنفسه. فالجواب عن ذلك أنَّ الشيء قد يشبه في حال ما بنفسه في حال أخرى فتكون إذا قلت: كأنَّ زيداً قائم، مُشبِّهاً لزيدٍ غيرَ قائم به قائماً، أو يكون قائماً غير زيد ويكون في الكلام حذف كأنك قلت: كأنَّ هيأة زيدٍ قائم.
وزعم بعض النحويين أنّها تكون تقريباً وذلك في نحو: كأنّك بالشتاءِ مقبلٌ، وكأنَّك بالفَرَجِ آتٍ. ألا ترى أنَّ المعنى على تقريب الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، ولا يتصوَّر التشبيه إذ لا يتصوَّر أن يشبّه المخاطب الشتاء ولا بالفرج إذ ليس المقصود ذلك.
والصحيح عندي أنَّ كأنَّ للتشبيه فكأنَّك أردت أن تقول: كأنَّ الفرجَ آتٍ، وكأنَّ الشتاء مقبلٌ، إلاَّ أنّك أردت أن تدخل الكاف للخطاب وألغيت كأن