فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 1159

زيدٌ بقائمٍ ولا قاعداً، ألا ترى أن قوله: بقائمٍ، في موضع نصب كأنّه قال: ليس زيد قائماً، فالذي يطلب النصب باقٍ وهو ليس. وأما إذا قلتَ: إن زيداً قائمٌ فإنَّ الرافع لزيد، وهو التعري، قد زالَ ولم يبق للرفع مجوز، فلذلك لم يجز العطف عندهم على الموضع هنا بقياس، بل بابه أن يجيء في الشعر وإن جاء في الكلام فنادر بحيث لا يقاس عليه.

فمما جاء من العطف على الموضع من غير مجوز في الشعر قوله:

إن تركبوا فركوبُ الخَيلِ عادَتُنا ... أو تنزِلونَ فإنا مَعشَرٌ نُزُلُ

فحمل على المعنى، كأنَّه قال: أتركبونَ أو ينزِلونَ ولولا ذلك لم يجز أن تعطف مرفوعاً على مجزوم، فعطف على المعنى وإن لم يكن في اللفظ ما يجوز الرفع ويطلبه ومما جاء من ذلك في الكلام نادراً قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَآجَّ إِبْرهِيمَ فِى رِبّهِ} . ثم قال بعد: {أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} (البقرة: 258، 259) . كأنَّه قال: أَرأيتَ كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرَّ على قريةٍ؟ ولولا ذلك لم يسغ عطف «كالذي» على الذي، لأنَّ المعنى إذ ذاك يختَلُ، ألا ترى أن المعطوف شريك المعطوف عليه، ولو جعلت كالذي معطوفاً على الذي لكان التقدير: ألم تَرَ كالذي مرَّ على قريةً. فيكون في ذلك إثبات لمثل الذي مرَّ على قريةٍ وليس المعنى على ذلك، بل المراد إنكار وجود مثله فلذلك وجب أن يعتقد فيه أنَّه محمول على المعنى. فلما كان هذا النوع من العطف غير منقاس لذلك لم يجز عندنا: إنَّ زيداً قائمٌ وعمروٌ، على أن يكون محمولاً على معنى: زيدٌ قائمٌ، بل يكون رفع عمرو ــــ عندنا ــــ إمّا على الابتداء والخبر محذوف وإمّا على العطف على الضمير إذا كان هناك توكيد أو طول كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت