فهرس الكتاب
ألا ترى أن الله تعالى لا يوصف بأنه ذهب مع سمعهم وأبصارهم.
وهذا لا يلزم أبا العباس، لاحتمال أن يكون فاعل ذَهَب «البرق» ، أي لذهبَ البرق مع سمعهم وأبصارهم، ويحتمل أن يكون فاعل «ذهبَ» الله تعالى ويكون الله تعالى قد وصف نفسه على معنى يليق به سبحانه كما وصف نفسه سبحانه بالمجيء في وقوله: {وَجَآء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} (الفجر: 22) .
والذي يبطل ما ادعاه أبو العباس من التفرقة بين الباء والهمزة قوله:
ديارَ التي كانت ونحن على مِنى ... تَحِلُّ بنا لولا نَجاءُ الركائبِ
أي تَحِلُّنا، ألا ترى أن المعنى: تصيّرنا حلالاً محرمينَ وليست هي داخلة معهم في ذلك لأنّها لم تكن حراماً فتصير حلالاً بعد ذلك.
ولكن الباء بمعنى الهمزة لا يتصوَّر الجمع بينهما، فلا تقول: أذهبتُ بزيدٍ ولا أقمت بعمروٍ، لأنّك لو فعلتَ ذلك كانَ أحد الحرفين لا معنى له، ألا ترى أنّك إذا قدرت النقل لأحدهما كان الآخر غير ناقل.
فإن قيل: فكيف جاز قوله: تُنبِت بالدهن. في قراءةَ من ضمَّ التاء، وتُنبِت مضارع أنبتَ والهمزة في أنبتَ للنقل فكيف جاز الجمع بينها وبين الباء وهي للنقل؟ بل كان ينبغي أن يقال تُنبِت الدهنَ أو تَنبُت بالدهنِ. فالجواب: إن ذلك يتخرج على ثلاثة أوجه. أحدهما: أن تكون الباء زائدة على غير قياس، كأنّه قال: تُنبِت الدهنَ، فتكون بمنزلتها في قوله:
نَضرب بالسيفِ ونرجو بالفَرجْ