فهرس الكتاب
وكذلك أيضاً من جعلها بمعنى عن استدل على ذلك بأنّك تقول: سألتُ بهِ، بمعنى سألتُ عنهُ، قال الله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (الفرقان: 59) ، أي عنه، وقال الشاعر:
فإن تسألوني بالنِساءِ فإنّني ... بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ
أي عن النساء.
ولا حجة في شيء من ذلك، لأنه قد يتصوَّر أن تكون الباء للسبب، لأنّك إذا سألت عن شيء فقد أوقعتَ السؤال بسبب ذلك الشيء، فكأنه قال: فإن تسألوني بسببِ النساءِ.
فإن قيل: سألتُ بسببِ كذا، لا تدري هل السؤال عن ذلك الشيء الذي دخلت عليه الباء أو عن غيره بسببه، وأنت إذا قلت: سألت عنه فإنّما السؤال عن الذي دخلت عليه عن. فالجواب: إنّهم إذا فعلوا ذلك أعني جعلوا الباء للسبب وحذفوا المسؤول عنه فلا بد من أن يكون في الكلام ما يدلّ على المحذوف، فقوله: فإن تسألوني بسبب النساء، معلوم أَنَّ السؤال المسؤول عن النساء بدليل قوله: بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ.
وكذلك فاسأل بهِ خبيراً، أي فاسأل بسببه خيبراً، لأنَّ طلب السؤال منها عام فكأنّه قال: إذا سألتَ بسببه عن شيء فقد وقعت بسؤالك على خبيرٍ به.
وقد يتخرج ذلك على وجه آخر، وهو أن يكون الفعلُ مضمّناً معنى فعل يصل بالباء فيعامل معاملته، فكأنه قال: فإن تطلبوني بالنساء أي بأخبارِهنَّ، وكأنه قال: فاطلُبْ بهِ خبيراً، لأنَّ السؤال طلبٌ في المعنى.
فإن قيل: فكما تجوّزون أن يكون الفعل في معنى فعل آخر فهلاّ جعلتم الحرف في معنى حرف آخر فتكون الباء بمعنى عن؟
فالجواب: إنَّ التصرف في الأفعال أولى منه في الحروف، وأيضاً فإنّك إذا