فهرس الكتاب
[شرح عقود الجمان: 75]
فقوله وأنت منهم اعتراض في غاية الحسن، ومن وقوعه بأكثر من جملة قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم} فقوله: {نساؤكم} متصل بقوله: {فأتوهن} لأنه بيان له وما بينهما اعتراض وقوله تعالى {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} إلى قوله: {وقيل بعدا} فيه اعتراض بثلاث جمل وهي {وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودي} وقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} إلى قوله: {متكئين على فرش} فيه اعتراض بسبح جمل إذا أعرب حالا منه وقد يقع اعتراض في اعتراض نحو فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم. فقوله وإنه لقسم الآية اعتراض وقوله لو تعلمون اعتراض في الاعتراض. قال الطيبي: ووجهه حسن الاعتراض حسن الإفادة مع أن مجيئه مجيء ما لا يترقب فيكون ألذ كالحسنة تأتيك من حيث لا تحتسب. وقال قوم: يجوز وقوع الاعتراض في آخر الكلام فقد يجامع التكميل والتذييل حيث لا محل لهما. وقال قوم: يجوز أن يكون غير جملة لكن في الأثناء فيجامع من التتميم والتكميل ما وقع في الأثناء:
[وقد يكون مطنبا بغير ذا = من جمل وأحرف لها شذا]
قد يكون الإطناب بغير ما تقدم كتكسير الجمل قال تعالى إن في خلق السموات والأرض الآية طولها في سورة البقرة وأطنب فيها أبلغ إطناب ليكون الخطاب مع الثقلين وفي كل عصر وحين للعالم منهم والجاهل والموافق والمنافق. وقال تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به فقوله ويؤمنون به إطناب لأن إيمان حملة العرش معلوم وحسنه إظهار شرف الإيمان ترغيبًا فيه {فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} . وليس في المشركين مزك والنكتة الحث للمؤمنين على أدائها والتحذير من المنع حيث جعل من أوصاف المشركين ومن ذلك {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا} لتناسب القسم والمقسم عليه. ومنه الإتيان بحروف التنبيه والصلات كلا أقسم فبما رحمة ونحو ذلك.
[وبهما كلامهم موصوف = إن كثرت أو قلت الحروف
بنسبة إلى كلام آخر = ساواه في المعنى إذا ما نظر]
قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو له في أصل المعنى فيقال للأكثر حروفًا إنه مطنب وللأقل إنه موجز كقوله:
يصد عن الدنيا إذا عن سودد
فإنه بمعنى قوله:
ولست بنظار إلى جانب الغنى = إذا كانت العلياء في جانب الفقر
والأول أقل حروفًا ويقرب منه قوله تعالى - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - مع قول الحماسي:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم = ولا ينكرون القول حين نقول
فائدة: ذكر قدامة من أنواع البديع الإشارة وفسرها بالإتيان بكلام قليل ذي معان جمة وهذا هو الإيجاز بعينه وذكر جماعة منها البسط وفسروه ببسط الكلام وتكثيره بلا حشو وهذا هو الإطناب لكن ينقدح عندي أنه خاص بنوع واحد منه وهو الإطناب بتكثير الجمل بخلاف الأنواع السابقة وعلى هذا يكون مقابلا لإيجاز القصر والإطناب بالأنواع السابقة مقابلًا لإيجاز الحذف.
خاتمة: قد انتهى القول في علم المعاني ولله الحمد والمنة، وفيه أمور أوردها جمع في البديع منهم
[شرح عقود الجمان: 76]