فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 165

صفحة 147

حركة عن المعصية إلا بعصمة الله، ولا قوة لمخلوق على إقامة الطاعة والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقدره وقضاءه، فغلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، وقد مر التحقيق في ذلك.

نفع الأحياء للأموات بالصدقات وأنواع الطاعات

قوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعةٌ للأموات) [1] .

أما في الدعاء فلقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} (الحشر:10) مدحهم بذلك، فلو لم يكن للدعاء والاستغفار نفع للأموات لما استحقوا المدح.

ولأن الصلاة واجبة على الميت، وليس فيها إلا الثناء والدعاء بـ (( اللهم اغفر لحينا وميتنا ) ) [2] فلولا أن الدعاء الدعاء نافع لما وجبت الصلاة على الميت لعدم الفائدة.

وأما في الصدقة فلقوله عليه الصلاة والسلام: (( تصدقوا على أمواتكم ) ) [3] ولو لم تنفع الصدقة لما أمر بها.

حاشية

[1] رواه أحمد في (( مسنده ) ) (2666) ، ونحوه أحاديث وردت في هذا المعنى: البخاري في (( صحيحه ) ) (4686) ، والترمذي في (( السنن ) ) (2566) ، وآخرون.

[2] سبق تخريجه.

[3] سبق تخريجه.

[4] أي: يكون بها الفعل.

[5] (( الاستطاعة عند الفعل هي صفة يخلقها الله تعالى عند قصد العبد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، فإن قصد العبد فعل الخير خلق الله فيه قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشر خلق الله فيه قدرة فعل الشر، وكان هو المضيع لقدرة فعل الخير، فيستحق الذم والعقاب ) ). ميداني بتصرف.

[6] قال الميداني: (( والحاصل أن القدرة لها إطلاقان: فتطلق تارة ويراد بها حقيقة القدرة وهي مع الفعل، وتطلق أخرى ويراد بها الوسع والسلامة وهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب والتكليف ) ). اهـ بتصرف.

[7] قال الميداني: (( والفرق بين الخلق والكسب: أن المقدور مخترع ومكتسب، فمن حيث كونه مخلوقًا يضاف إلى الله تعالى بجهة الاختراع، ومن حيث كونه كسبًا يضاف إلى العبد، ولا استحالة في دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين بجهتين مختلفتين، إحداهما خلقًا وهي خارجة عن مقدور العبد، والأخرى كسبًا للعبد بإقدار الله تعالى، قال السعد في (( شرح العقائد ) ): (( وتحقيقه: أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل: كسب، وإيجادَ الله تعالى الفعل عقيب ذلك: خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور للعبد بجهة الكسب…فإن قصد فعل الخير خلق الله قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشر خلق الله تعالى قدرة فعل الشر، فكان هو المضيع لقدرة فعل الخير، فيستحق الذم والعقاب، ولهذا ذم الكافرين بأنهم: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} (هود: 20) ، هذا وقالوا في الفرق بين الكسب والخلق: (( أن الكسب ما وقع بآلة، والخلقَ لا بآلة، والكسبَ لا يصح انفراد القادر به، والخلقَ يصح انفراده ) ).

[8] لم يكلفهم الله مالا يطيقون، وهو يشمل ما كان ممتنعا بذاته وهو المحال عقلا، كجمع الضدين كالأحمر والأسود، وكجمع أو رفع المتناقضين في آن واحد كالحركة والسكون، كما يشمل ما كان ممكنًا لكنه فوق وسعهم، كخلق الأجسام، أما الممتنع لغيره أي: ما امتنع لوقوع علم الله تعالى أنه لا يقع، أو ما أراد الله خلافه؛ كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فلا نزاع في وقوع التكليف به، لكونه مقدورًا للمكلف بالنظر إلى نفسه، قال السعد في (( شرح العقائد ) ): (( ...(ولا يكلف العبد بما ليس في وسعه، سواء كان ممتنعًا في نفسه كجمع الضدين) ، أو ممكنا (في نفسه لكن لا يمكن للعبد) كخلق الجسم، وأما ما يمتنع بناء على أن الله تعالى علم خلافه، أو أراد خلافه، كإيمان الكافر، وطاعة العاصي، فلا نزاع في وقوع التكليف به؛ لكونه مقدورًا للمكلف بالنظر إلى نفسه، ثم عدم التكليف بما ليس في الوسع متفق عليه؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، والأمر في قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} (البقرة: 31) للتعجيز دون التكليف، وقوله تعالى حكاية عن حال المؤمنين: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة 286) ليس المراد بالتحميل هو التكليف، بل إيصال ما لا يطاق من العوارض إليهم )). اهـ، واعلم أن النزاع إنما هو في جواز وقوع التكليف بالمحال لذاته عقلًا، وليس النزاع في الوقوع فعلًا وشرعًا، فالأول منعته المعتزلة؛ بناء على القبح العقلي، وهو جائز عند الأشعري عقلًا؛ لأنه لا يقبح من الله شيء، والماتريدية على عدم جوازه عقلًا، قال الكمال في (( المسايرة ) ): (( لا أعلم أحدا منهم _يعني الحنفية_ جوز تكليف ما لا يطاق ) )قال الشارح: (( فهم في ذلك مخالفون للأشعرية في تجويزهم إياه عقلًا، والمراد أنهم _أي الحنفية_ يمنعون التكليف بالممتنع لذاته، أما الممتنع لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإنه التكليف به جائز عقلًا، واقع وفاقًا، والثاني وهو الوقوع فعلًا: فمقطوع بعدمه، غير أنه _كما قال في (( المسايرة ) )_ عند الأشاعرة للوعد بخلافه، وعند الحنفية وغيرهم لذلك ولقبح خلافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت