فهرس الكتاب
صفحة 158
يكن نبيًا، على ما حكى الله تعالى بقوله: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} (النمل: 40) .
وقصة مريم وما ظهر لها من الخوارق من رزق الشتاء في الصيف، ورزق الصيف في الشتاء، وظهور النخلة في الصخر، وتساقط الرطب عليها من أعظم الكرامات لمريم على ما حكى الله بقوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} (آل عمران: 37) ، وبقوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} (مريم: 25) .
والآثار والأخبار في كرامات الأخيار مستفيضة [6] ، وكل كرامة ظهرت على يدي ولي فهي معجزة لنبي؛ لأنه إنما أكرم الله الولي بتلك الكرامات ببركة متابعة النبي، فكل ما يظهر في يده يكون دليلًا على صدق النبي، فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزة بل هي مؤيدة لها دالة عليها، خلافًا لما زعمت المعتزلة من حيث (( إنه لا يبقى فيرق بين الولي والنبي لو جوزنا ظهور المعجزة في يد الولي ) ).
قلنا: المعجزة تقارن دعوى النبوة، ولو ادعى الولي النبوة لكفر من ساعته؛ ولأن الولي يجوز أن يعلم أنه ولي ويجوز أن لا يعلم، بخلاف النبي، ويجوز إظهار الكرامة للوي ترغيبًا للمسترشد لا إعجابًا وفخرًا [7] .
حاشية
[1] الولي هو: (( العارف بالله بحسب الإمكان، المواظب على الطاعات، المجتنب للسيئات، المعرض عن الانهماك في الشهوات، المدبر عن الدنيا، المقبل على العقبى، المداوم على ذكر المولى ) )، وقيل إنه سمي (( وليًا ) )؛ لأنه تولى الله عزّ وجلّ، وقيل: لأن الله تعالى تولى أمره، وقيل: لأنه توالت طاعته لله عزّ وجلّ.
[2] ولأن النبي معصوم مأمون العاقبة، والولي يجب أن يكون خائفًا من سوء الخاتمة.
قال السعد: (( فما نقل عن بعض الكرامية من جواز كون الولي أفضل من النبي كفر وضلال، نعم قد يقع التردد في أن مرتبة النبوة أفضل أم مرتبة الولاية، بعد القطع بأن النبي متصف بالمرتبتين، وأنه أفضل من الولي الذي ليس بنبي ) ). اهـ.
[3] ولا يقول بذلك أحد من أئمة الصوفية، وما ينسب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي أو ابن الفارض في ذلك فهو محض افتراء عليهما.
[4] سبق تخريجه.
[5] الكرامة: (( أمر خارق للعادة، غير مقرون بالتحدي، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم بمتابعة نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح ) ). ميداني عن اللقاني.
فخرج بقولهم: (( غير مقرون بالتحدي ) )معجزة النبي، وبكونها (( على يد عبد ظاهر الصلاح ) )المعونة، وهي: (( الخارق للعادة الظاهر على أيدي عوام المؤمنين تخليصًا لهم من المحن والمكاره ) )، وبقولهم: (( صحيح الاعتقاد والعمل الصالح ) )الاستدراج، وبـ (( متابعة نبي ) )عن الإهانة، وهي: (( الخوارق المكذبة لكذب الكذابين ) )كبصق مسيلمة في بئر عذبة الماء ليزداد ماؤها حلاوة فإذا به ملح أجاج، اهـ ميداني، وقال السعد: (( الكرامة: أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله ) ). اهـ.
[6] قال السعد في شرح العقائد: (( والدليل على حقيقة الكرامة: ما تواتر عن كثير من الصحابة ومَن بعدَهم بحيث لا يمكن إنكاره، خصوصًا الأمر المشترك، وإن كانت التفاصيل آحادًا، وأيضًا الكتاب ناطق بظهورها من مريم ومن صاحب سليمان عليه السلام، وبعد ثبوت الوقوع لا حاجة إلى إثبات الجواز ) ). اهـ.
[7] خالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في وقوع بعض الكرامات فقال: (( كل ما جاز تقديره معجزة لنبي لا يجوز ظهور مثله كرامة لولي ) )، وأجيب بأن المعجزة شرطها دعوى النبوة، بخلاف الكرامة حيث يقر صاحبها بالمتابعة، ولو ادعى النبوى كفر ولا يبقى وليًا )) .