فهرس الكتاب
صفحة 98
وورد أيضًا: (( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يبقى بينه وبين الجنة باع أو ذراع، فتدركه الشقاوة فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى يبقى بينه وبين النار باع أو ذراع فتدركه السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة ) ) [10] .
بيان معنى السعادة والشقاء
قوله: (والسعيد من سَعِدَ بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله تعالى) .
لما روى ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق: (( إن خلق يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، فيبعث الله له ملكًا بأربع كلمات؛ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أم سعيد، ثم ينفُخُ فيه الروح ) ) [1] رواه البخاري ومسلم.
تفصيل آخر في القدر
(وأصل القدر [1] سر الله تعالى في خلقه، لم يطّلع على ذلك ملكٌ مقرب ولا نبيٌّ
حاشية
[1] نقل الميداني عن السنوسي: لا شك أن مما يجب الإيمان به لتواتره ووقوع الإجماع عليه ثبوت الشفاعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إراحة الناس في الموقف، واختصاصُها به أمر مستفيض مشهور في الصحاح. وقال السعد: (( لنا قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (المدثر: 48) فإن أسلوب هذا الكلام يدل على ثبوت الشفاعة في الجملة، وإلا لما كان لنفي نفعها عن الكافرين عند القصد إلى تقبيح حالهم وتحقسق بأسهم معنى. ))اهـ. وقال: (( الأحاديث في باب الشفاعة متواترة المعنى ) ). اهـ.
[2] رواه البخاري في (( صحيحه ) ) (6956) ، ومسلم في (( صحيحه ) ) (286) .
[3] رواه أبو داود في (( السنن ) ) (4114) ، والترمذي في (( السنن ) ) (2359) ، وأحمد في (( مسنده ) ) (12745) ، وأبو يعلى في (( مسنده ) ) (5813) ، وفي (( معجمه ) ) (198) . قال الهيثمي (7/ 5) : رجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة.
[4] قال السعد في التلويح: ذهب جمع من المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من بعض على حسب ما يتوالدون إلى يوم القيامة في أدنى مدة، كموت الكل بالنفخ في الصور، وكحياة الكل بالنفخة الثانية، فصورهم واستنطقهم وأخذ ميثاقهم، ثم أعادهم في صلب آدم، ثم أُنسِينا تلك الحالةَ ابتلاءً لنؤمن بالغيب. وقال ابن عطاء الله السكندري: (( أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقتْ بألوهيته الظواهر، وتحققتْ بأحديته القلوب والسرائر ) ).
[5] هو الإمام أبو سعيد الحسنُ بنُ يسار البَصريُّ رضي الله عنه، من أجلِّ التابعين وأئمتهم، كان إمام أهل البصرة، وحبرَ الأمة في زمانه، وُلد بالمدينة، وشب في كنف سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية رضي الله عنه، وسَكَنَ البصرةَ وعظُمَتْ هيبتُه في القلوب، فكان يدخُلُ على الوالاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة.
قال عنه الإمام الغزالي رضي الله عنه: (( كان الحسن البصري أشبه الناس كلامًا بكلام الأنبياء، وأقربهم هديًا من الصحابة ) ).
وقد سُئل الإمامُ الحسنُ البصريُّ عن الله فقال: (( إن سألْتَ عن ذاتِه فـ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، وإن سألتَ عن صفاته فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (سورة الإخلاص) ، وإن سألتَ عن أسمائه فـ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (الحشر: 22) …الآيات، وإن سألْتَ عن أفعاله فـ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29) ، قيل: يَغفرُ ذنْبًا ويَكشفُ كَرْباُ ويَبْتليْ أقوامًا ويُعافيْ آخرين )). انتهى. [انظر كتاب (( شرح عقيدة الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه ) )للعارف أحمد زروق الفاسي رضي الله عنه، بتحقيق أخينا الدكتور محمد نصار ص 59] . توفي بالبصرة (110 هـ) ..
[6] رواه بلفظه مسلم في (( صحيحه ) ) (4788) ، وبنحوه الإمام البخاري (4945) ، وابن ماجه في (( السنن ) ) (88) . وأحمد (14148) ، وابن حبان (3919) . والطبراني في (( الكبير ) ) (6567) ، ولفظ البخاري: (( عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ، فَقَالَ: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ) )، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: (( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ) )ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى} (الليل: 5 - 6) إِلَى قَوْلِهِ {لِلْعُسْرَى} )) .
[7] رواه البخاري في (( صحيحه ) ) (4568) ، ونحوه مسلم في (( صحيحه ) ) (4787) ، والترمذي في (( السنن ) ) (2062) .
[8] رواه مسلم في (( صحيحه ) ) (4791) ، ونحوه الترمذي في (( السن ) ) (2067) ، وأحمد في (( مسنده ) ) (11768) .
[9] يجب فهمُ هذا الحديث _كما ذكر فضيلة العلامة البوطي حفظه الله_ في ضوء الرواية الأخرى التي جاءت في صحيح الإمام البخاري (3885) من حديث سهل بن سعد الساعدي: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ) )؛ وذلك دفعًا للتعارض بينه وبين كثير من النصوص الواردة في الشرع، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 143) ، وقال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} (آل عمران: 195) ، وقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف: 30) .
فقوله: (( بمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ) )أي: يعمل بعمل أهل الجنة ظاهرًا من دون أن يكون مخلصًا لله فيه، فيأبى الله إلا أن يفضحه فينحرف في خاتمة عمله عن الاستقامة التي كان يتظاهر بها أمام الناس، والآخر يعمل بالمعصية ظاهرًا لكنه متلبسٌ بحالة قلبية من الانكسار والذلة بين يدي الله سبحانه فيختم الله له بخاتمة حسنة بشرح صدره للتوبة والإنابة في آخر حياته.
[10] رواه البخاري في (( صحيحه ) ) (6105) ، وأبو داود في (( السنن ) ) (4085) ، وابن ماجه في (( سننه ) ) (73) .
[1] رواه البخاري (6900) ، ومسلم (4781) في (( صحيحيهما ) )، ونحوه ابن ماجه في (( السنن ) ) (73) ، وأحمد في (( مسنده ) ) (3738) .