فهرس الكتاب
صفحة 99
مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان [2] وسُلم الحرمان، ودرجة الطغيان).
القَدَرُ جَعْلُ كل ما هو واقع في العالم على ما هو عليه من خير وشر ونفع وضر [3] ، وبيان ما يقع على سنن القضاء في كل زمان ومكان، وهو تأويل الحكمة والعناية السابقة الأزلية، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49) ، فتكون عقول البشر قاصرة عن الإحاطة بكنه الحِكَمِ الإلهية، والبصائر قاصرةٌ عن إدراك الأسرار الربانية، فيكون القدر من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وجعله سرًا مكتومًا عن خلقه، لم يُظْهِر ذلك لملك مقرب ولا لنبيٍّ مرسَل، فيكون التعمق فيه وسيلة الخذلان؛ لأن التعمق في طلب الوقوف على الحكمة التي كتمها الله عن الخلق يكون ناشئا عن الإنكار والارتياب، وهما من أوصاف أهل النفاق، فيصير التعمق فيه ذريعة الخُذلان، إذ المخذول هو الذي منع _بسبب خلافه_ عن النصرة والظفر بالحق، ثم باستمراره على النظر فيما مُنِع من النظر فيه يصير نظره سُلَّمًا للحرمان عن الثبات على الحق، ثم إذا كمل ولم يرجع عن طلبه يتهي إلى درجة الطغيان، وهو المجاوزة عن الحد المجعول للعبد، فإنه ليس للعبد المنازعة في أحكام مولاه ولا الطلب للاطلاع [على] أسراره، فلذلك رتَّب هذه الكلمات على هذا النسق.
(فالحذر كل الحذر من ذلك نظراُ وفكرًا ووسوسةً) .
هذه مبالغة في التحذير عن طلب ما حُجِبَ عن العباد علمُه.
(فإن الله طوى علم القدر عن الأنام، ونهاهم عن مرامه) .
وإنما نهاهم عن الخوض في القدر؛ لأنه أمر لا سبيل إلى معرفته.