فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 165

صفحة 100

قوله:

(كما قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23) ،فمن سأل: لِمَ فَعَلَ؟ فقد رَدَّ حُكمَ الكتابِ، ومن رَدَّ حُكْمَ الكتابِ كان من الكافرين).

(فهذه جملة ما يحتاج إليه من هو منوَّرٌ قلبُهمن أولياء الله، وهي درجة الراسخين في العلم) .

إنما يعلم بهذا ويقف عليه بمقتضاه من نوَّر الله تعالى قبله باليقين من أولياء، قال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} (الزمر: 22) ، ثم ذكر لهذا تعليلًا بقوله:

(لأن العلم علمان: علمٌ في الخلقِ موجود، وعلم في الخق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يصح الإيمان إلا بقبول العلم الموجود [4] ، وترك العلم المفقود) [5] .

إن العلمَ الموجود في اعالم والخلق هو: ما علم بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، كالعلم بالصانع كما نصت عليه دلائل الوحدانية، وقدمه وكمال علمه وحكمته، وبرائته من سمات النقص وأمارات الحدوث، وجميع صفات الجلال والإكرام، وكالعلم بجميع الأوامر والنواهي كما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الشريعة الغراء الثابتة، بالقرآن المعجز، ومن بيان الحلال والحرام، فهذا العلم كله موجود في الخلق، فيكون إنكارُه كفرًا.

وأما العلم المفقود فيهم فهو: العلم الذي أخفاه الله عن خلقه، كعلم الغيب الذي استأثر بعلمه، وكعلم القضاء والقدر وقيام الساعة، كما قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} (النمل: 65) وقال تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} (الأعراف: 187) فادعاء هذا العلم وطلبه كفر أيضًا، لأنه دعوى المشاركة مع الله عو وجل فيما استأثره.

حاشية

[1] القدر عند الماتريدية: (( تحديد الله تعالى أزلًا كلَّ مخلوق بحده الذي يوجد به، من حسن وقبح ونفع وخير، وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان، وثواب وعقاب أو غفران ونحوه ) ). فالقدر عندهم هو تعلق العلم والإرادة. قال بعضهم: المراد من القدر: أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أن يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. ويمكن أن يقال: إن القدر هو: علمه بما يكون في خلق، ثم إيجاد ما سبق في علمه أنه يوجد يُعَبر عنه بقضائه. وعند الأشاعرة: إيجاد الله تعالى الأشياءَ على طِبق ماسبقَ به علمُه وإرادتُه، والإرادة المتعلقة بالأشياء أزلًا هي القضاء عندهم.

[2] الخُذلان بالضم: ترك العون والنصر. ميداني.

[3] قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: (( ما من نفَس تبديه إلا وله فيك قدَرٌ يُمضيه ) ).

[4] أي: بقبول العلم الموجود والعمل على مقتضاه.

[5] أي: وترك العلم المفقود بالتسليم وتفويض علمه لمولاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت