فهرس الكتاب
ومعنى قولِه:"تَشْكُو بعينٍ": أنها تَشْكُو بعينِها رَمْزًا وإيماءً؛ لأنها لا تَقْدِرُ على الكلامِ لأَجْلِ مَن حولَها. و"ما": مفعولٌ بمعنى الذي، وهي واقعةٌ على السَّيْرِ.
وقولُه:"قِيلُه القِيلُ": جُملةٌ اسْمِيَّةٌ صِفةٌ لذي نَقِماتٍ، والمعنى: قولُه القولُ الْمُعْتَدُّ به بكونِه نافذًا ماضِيًا.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
44 -لَذاك أَهْيَبُ عِندِي إذ أُكَلِّمُه ... وقِيلَ إنك مَنسوبٌ ومَسؤولُ
اللامُ للابتداءِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ قَبْلَها قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، ولأنَّ الْمَقامَ يَقتضيهِ، والإشارةُ إلى الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويُرْوَى: أَرْهَبُ، وكِلاهما اسمُ تَفضيلٍ مَبْنِيٌّ مِن فَعَلَ الْمَفعولَ كقولِهم: أَشْغَلُ مِن ذاتِ النحيَيْنِ، وأَزْهَى مِن دِيكٍ. وفَصَلَ بينَ أَفعلَ ومِن بظَرْفِ مَكانٍ، وظَرْفِ زَمانٍ، وحالٍ، وعامِلُهُنَّ أَفْعَلُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ عامِلَ الحالِ يُكَلِّمُني أو أُكَلِّمُه على اختلافِ الرِّوايتينِ، والحالُ مَحكِيَّةٌ على كلِّ تقديرٍ؛ لأنَّ القولَ مُتَقَدِّمٌ.
ومَنسوبٌ: مَسؤولٌ عن نَسَبِكَ، أي: لا مَثَلْتُ بينَ يَديهِ، وكنتُ قد قِيلَ لي قَبلَ ذلك: إنه باحِثٌ عنك، ومُسائِلُكَ عمَّا نُقِلَ عنك، حَصَلَ لي مِن الرَّهْبِ ما حَصَلَ، وفيه تَضمينٌ؛ إذ لا يَتِمُّ المعنى إلا بالبيتِ الذي بعدَه.
وقالَ التِّبريزيُّ:"إذ أُكَلِّمُه": جُملةٌ في مَوْضِعِ الحالِ وكذا الواوُ في"وقيلَ إنك مَنسوبٌ": واوُ الحالِ، والتقديرُ: لذاك أَهْيَبُ عِندِي مُكَلَّمًا ومَنسوبًا ومَسؤولًا. انتهى"."
ونَسَخَه عبدُ اللطيفِ في كتابِه وهو مُعْتَرَضٌ مِن ثلاثةِ أَوْجُهٍ:
أحدُها: أنَّ"إذ أُكَلِّمُه"ليس بجُمْلَةٍ، بل"إذ"مُفْرَدٌ مُضافٌ إلى جُملةٍ.
والثاني: أنه ليس في"أُكَلِّمُه"شيءٌ مُنْتَصِبٌ على الحالِ، بل"إذ"ظَرْفٌ، و"أُكَلِّمُه"مُضافٌ إليه، ولا يكونُ"إذ"حالًا أَعْنِي مُتَعَلِّقَةً بكونٍ منصوبٍ هو حالٌ؛ لأنَّ الزمانَ لا يكونُ حالًا مِن الْجُثَّةِ.
والثالثُ: أنَّ الْجُملةَ الْمَقرونةَ بالواوِ ليس تقديرُها مَنسوبًا ومَسؤولًا، بل مَقُولًا لي: إنك مَنسوبٌ ومَسؤولٌ.
قالَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
45 -مِن خَادِرٍ مِن لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُه ... مِن بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَه غِيلُ
أي: مِن لَيْثٍ خَادِرٍ، وهو بالخاءِ الْمُعْجَمَةِ، والدالِ الْمُهْمَلَةِ، أي: داخلٍ في الْخِدْرِ، وهو الأَجَمَةُ، والظرْفُ صِفَةٌ لِخَادِرٍ، ومَسكنُه غِيلٌ جُملةٌ هي صِفةٌ ثانيةٌ، أو حالٌ.
والغِيلُ بكَسْرِ الغينِ الْمُعجمةِ: الشجَرُ الْمُلْتَفُّ، ثم إنه نُقِلَ لِمَوْضِعِ الأَسَدِ، ويُقالُ لبيتِ الأسَدِ أيضًا: خِدْرٌ وأَجَمَةٌ وخَيْسٌ وعَرينٌ وعَريسٌ وعَريسةٌ وزَأْرَةٌ -بفَتْحِ الزايِ وسُكونِ الهمزةِ ـ اشْتُقَّ اسمُ مَكانِه مِن اسمِ صَوْتِه وهو الزَّئيرُ. يُقالُ: زَأَرَ بالفَتْحِ يَزْئِرُ بالكَسْرِ، وقد يُعْكَسُ والوَصْفُ مِن هذا زَئِرٌ كفَرِحَ، ومِن الأَوَّلِ زائرٌ كضَارِبٍ , قالَ عَنترةُ: (البحر الكامل)
حَلَّتْ بأرضِ الزائرينَ فأَصْبَحَتْ ... عُسْرًا على طُلَّابِكِ ابنةُ مَخْرِم