فهرس الكتاب
لظَلَّ يُرْعَدُ أن يكونَ لهُ ... مِن الرسولِ بإِذْنِ اللهِ تَنويلُ
اللامُ رابِطَةٌ للجوابِ الذي بعدَها بلو، وظَلَّ بمعنى صارَ.
وقولُه:"لظَلَّ يُرْعَدُ"يَقتضِي ثُبوتَ الفِعْلِ ودَوامَه، ولو قالَ: إلا رُعِدَ، لم يَقتضِ ذلك، ويُرْعَدُ مَبْنِيٌّ للمفعولِ، يُقالُ: أَرْعَدَ فُلانٌ، إذا أَخَذَتْهُ الرِّعدةُ، ولك في اللامِ أربعةُ أَوْجُهٍ.
أحدُها: أنَّ تَعَلُّقَها بِ"يكونُ"إمَّا على أنها تَامَّةٌ، أو على أنها ناقصةٌ، وادُّعِي أنها دالَّةٌ على الْحَدَثِ، وأنَّ أَحَدَ الظرفينِ الباقِيَيْنِ خَبَرٌ.
والثاني: أنَّ تَعَلُّقَها باستقرارِ محذوفٍ مَنصوبٍ، إمَّا على الْخَبريَّةِ على تقديرِ النُّقصانِ، أو على الحالِيَّةِ على تقديرِ التَّمامِ والنُّقصانِ، والخبَرُ غَيْرُها.
والثالثُ: أنَّ تَعَلُّقَها بِ"تنويلُ"، وإن كان مَصْدرًا؛ لأنَّه لا يَنْحَلُّ لأنْ والفعلِ، ولهذا قالوا في قولِه: (بحرَ الرجَز)
نُبِّئْتُ أَخوالِي بني يَزِيدِ ... ظُلْمًا علينا لَهُمُ فَديدُ
إنَّ ظُلمًا يَجوزُ أن تكونَ مَفعولًا لأَجْلِه عامِلُه فَديدُ، وكثيرٌ مِن الناسِ يَذْهَلُ عن هذا، فيَمنَعُ تَقديمَ مَعمولِ الْمَصْدَرِ مُطْلَقًا، وهذه الأَوْجُهُ في كلٍّ مِن الظرفينِ، وحيث قَدَّرْتَ أحدَ الظروفِ حالًا، فهو في الأصْلِ صِفةٌ لِ"تنويلُ"، والتنويلُ: العَطِيَّةُ، والْمُرادُ به هنا الأمانُ.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
43 -حتى وَضَعْتُ يَمِينِي لا أُنَازِعُهُ ... في كفِّ ذي نَقِمَاتٍ قِيلُه القِيلُ
أي: لقد قُمْتُ فوَضَعْتُ يَمينِي وَضْعَ طاعةٍ.
والْمُنازَعَةُ: الْمُجَاذَبَةُ، وجُملةُ"لا أُنازِعُهُ"حالِيَّةٌ.
ونَقِمَاتٌ بفَتْحِ النونِ وكَسْرِ القافِ: جَمْعُ نِقمةٍ، نحوَ: كِلْمةٍ وكَلِمَاتٍ، وفِعْلُها كضَرَبَ يَضْرِبُ، بدليلِ قولِه تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ} {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} وكعَلِمَ يَعْلَمُ.
والقِيلُ والقالُ والقَوْلُ بمعنًى، وقد قُرِئَ: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} وقالَ الْحَقِّ، ورُوِيَ بالأَوْجُهِ الثلاثةِ قولُ الشَّمَّاخِ: (البحر الطويل)
وتَشْكُو بعينٍ ما أَكَلَّ رِكَابُها ... وقِيلُ الْمُنادِي أَصبَحَ القومُ أَدْلِجِي
وفي هذا البيتِ سؤالٌ، وهو أنه يُقالُ: أَدْلَجَ القومُ: إذا سارُوا في أَوَّلِ الليلِ، فكيف يَجتَمِعُ الأمْرُ بالإدلاجِ، مع قولِه: أَصْبَحَ القومُ؟
والجوابُ: أنه كان يُنادِي مَرَّةً: أَصْبَحَ القومُ كم تَنَامُونَ، ومَرَّةً أَدْلِجِي.