فهرس الكتاب
والمعنى: لا تَسْتَبِحْ دَمِي بأقوالِ مَن يُزَوِّقُ الكلامَ قَصْدًا للإفسادِ.
وقولُه:"ولم أُذْنِبْ"تَنَصُّلٌ، والجملةُ حالِيَّةٌ، أي: لا تَأْخُذَنِّي بأقوالِ الوُشاةِ غيرَ مُذْنِبٍ، وليست الْجُملةُ مَعطوفةً؛ لأنَّه خِلافُ المعنى، ولأنَّ الخبَرَ لا يُعْطَفُ على الطلَبِ، وأَمَّا قولُه: (البحر الطويل)
بأيدي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ... ولم تَكْثُر القَتْلَى بها حينَ سُلَّت
فلا مانِعَ في اللفظِ مِن العَطْفِ؛ لأنَّ الْجُملتينِ خَبريَّتانِ، وإنما المانِعُ فَسادُ المعنى، إذ الْمُرادُ أنهم لم يُغْمِدُوا سُيوفَهم في حالةِ انتفاءِ كَثرةِ القَتْلَى بها، بل في حالةِ ثُبوتِ كَثْرَتِهم، وليس الْمُرادُ الإخبارَ عنهم بقِلَّةِ قَتْلَاهُم.
وقولُه:"وإن كَثُرَتْ"شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُه مَدلولًا عليه بقولِه:"لا تَأْخُذَنِّي"؛ لأنَّ الْمُتَقَدِّمَ هو الجوابُ، خِلافًا للمُبَرِّدِ وأبي زَيْدٍ والكُوفِيِّينَ.
والأقاويلُ: جَمْعُ أقوالٍ، والأقوالُ جَمْعُ قولٍ.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
41 -لقد أَقومُ مَقامًا لو يَقومُ بهِ ... أَرَى وأَسمَعُ ما لو يَسمعُ الفيلُ
في هذا البيتِ حَذْفُ سبعةِ أمورٍ:
أحدُها: جُملةُ قَسَمٍ؛ لأنَّ"لقد"لا يكونُ إلا جَوابًا لقَسَمٍ مَلفوظٍ، نحوَ: {تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا} , أو مُقَدَّرٍ، نحوَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، ويُرْوَى: إني أقومُ مَقامًا.
الثاني: مفعولُ أَرَى: أي: أَرَى ما لو يَراهُ الفيلُ.
والثالثُ والرابعُ: ظَرفانِ مَعمولانِ لأَرَى أَسْمَعُ إن قُدِّرَا صِفتينِ ثانيةً وثالثةً لِمَقامِهِ، أي: أَرَى به، وأَسْمَعُ به، فإن قُدِّرَ"أرى"حالًا مِن ضَميرِ"أَقومُ"، سَقَطَ هذانِ الْحَذفانِ.
والخامسُ والسادسُ: جَوابانِ لِ"لو"الثانيةِ، و"لو"الثالثةِ؛ لأنَّ قولَه في البيتِ بعدَه:"لظَلَّ يُرْعَدُ"جوابٌ للأُولَى: وهو دَالٌّ على جَوابِ"لو"الثانيةِ الْمُقَدَّرَةِ في صِلَةِ مَعمولِ"أَرَى"، و"لو"الثالثةِ الواقعةِ في صِلَةِ مفعولِ"أَسْمَعُ".
والسابعُ: مَفعولُ"يَسْمَعُ"، وهو عائدُ"ما".
وانتصابُ"مَقامًا"على الظرفيَّةِ الْمَكانيَّةِ، والْجُملةُ بعدَه صِفةٌ، والرابِطُ بينَهما مجرورُ الباءِ.
وبينَ أَقومُ وأَسمَعُ تَنازُعٌ في الفاعِلِ، وهو الفِيلُ، فأَيُّهُما أَعْمَلْتَه أَعْطَيْتَ الآخَرَ ضَمِيرَه، وقالَ الفَرَّاءُ: العَمَلُ لهما معًا. وقالَ الكِسائيُّ: إذا أَعْمَلْنَا الأَوَّلَ أَضْمَرْنا في الثاني؛ لأنَّه إضمارٌ بعدَ الذكْرِ في الحقيقةِ، وإذا أَعْمَلْنَا الثانيَ حَذَفْنَا فاعلَ الأَوَّلِ؛ لأنَّه لا يُجيزُ ما يَراهُ البَصرِيُّونَ مِن الإضمارِ قبلَ الذِّكْرِ ولا ما يُجيزُه الفَرَّاءُ مِن تَوارُدِ العاملينِ على مَعمولٍ واحدٍ، وعلى قولِه ففي البيتِ حَذْفٌ، وليس بينَ أَرَى وأَسْمَعُ تَنازُعٌ في المفعولِ، وهو ما لو يَسمعُ إذ ليس المرادُ: أرى ما لو سَمِعَهُ الفيلُ، بل المراد: ُ أَرَى ما لو رآهُ الفيلُ لظَلَّ يُرْعَدُ، وأَسمَعُ ما لو سَمِعَه لظَلَّ يُرْعَدُ، وفي البيتِ تَضمينٌ؛ لأنَّ الجوابَ في أَوَّلِ البيتِ الآتي قالَ: