فهرس الكتاب
الْمُتَطَوَّعُ بها زِيادةً على غَيْرِها، ومنه قِيلَ لِمَا زِيدَ على الفرائضِ مِن العِباداتِ: نافِلَةٌ، وقالَ اللهُ تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} ولذلك أيضًا سُمِّيَ ابنُ الابنِ نافِلَةً، قالَ اللهُ تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} .
والرابعُ: الإقرارُ بالتنزيلِ وما اشْتَمَلَ عليه مِن الْمَواعِظِ والتفصيلِ.
والخامسُ: التذكيرُ بما جاءَ في التنزيلِ مِن قولِه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} رُوِيَ أنها لَمَّا نَزَلَتْ سَأَلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبريلَ عنها، فقالَ: لا أَدْرِي حتى أَسْأَلَ، فمَضَى ثم رَجَعَ، فقالَ:"يَا مُحَمَّدُ إنَّ ربَّكَ أَمَرَك أن تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَك، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ"وعن جَعفرٍ الصادِقِ رَضِيَ اللهُ عنه: أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِمَكارِمِ الأخلاقِ. قيلَ: وليس في التنزيلِ آيةٌ أَجْمَعَ لِمَكارِمِ الأخلاقِ منها، قيلَ: وليس الْمُرادُ بالقرآنِ القِراءةَ، وليس بشيءٍ، وإنما الْمُرادُ: الكتابُ الْمُنَزَّلُ على الرسولِ المكتوبُ في الْمَصاحِفِ، والْمَنقولُ عنه نَقْلًا مُتواترًا، والإضافةُ في نَافِلَةِ القرآنِ مِثْلُها في أَخلاقِ ثِيابٍ، أو بمعنى (في) على تَقديرِ مُضافٍ أي: نافِلَةَ القرآنِ، والْمُضافُ مُقْحَمٌ كإقحامِه في قولِ لَبيدٍ: (البحر الطويل) .
تَمَنَّى ابنتاي أن يَعيشَ أَبُوهُما ... وهل أنا إلا مِن رَبيعةَ أو مُضَرْ
فإنْ حالَ يومًا أن يَموتَ أَبُوكُما ... فلا تَخْمِشَا وَجْهًا ولا تَحْلِقَا شَعَرْ
وقُولَا هو الْمَرْءُ الذي لا صَدِيقَه ... أَضاعَ ولا خانَ الصديقَ ولا غَدَرْ
إلى الْحَوْلِ ثم اسْمُ السلامُ علَيْكُمَا ... ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فقدِ اعْتَذَرْ
أي: ثم السلامُ عليكما، ويَجوزُ نَصْبُ القرآنِ على أن يكونَ حَذْفُ التنوينِ مِن نافِلَةٍ ليس لإضافةٍ بل لالتقاءِ الساكنينِ كما في قولِ أبي الأسودِ: (المتقارِب)
فأَلْفَيْتُه غيرَ مُسْتَعْتَبٍ ... ولا ذَاكرِ اللهَ إلا قليلًا
وتكونُ"نافِلَةً"حينئذٍ إمَّا حالًا تَقَدَّمَتْ، وإمَّا مَفعولًا ثانيًا، والقرآنُ بَدَلٌ.
وقولُه:"وتَفصيلُ"أي: تَبيينُ ما يُحتاجُ إليه من أَمْرَيِ الْمَعاشِ والْمَعادِ.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
40 -لا تَأْخُذَنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولَمْ ... أُذْنِبْ وإن كَثُرَتْ فيَّ الأقاويلُ
"لا تَأْخُذَنِّي": سؤالُ تَضَرُّعٍ، لا نَهْيٌ، وأُكِّدَ بالنونِ كما أَكَّدَ كعبُ بنُ مالِكٍ فِعلَ الدُّعاءِ بالنونِ في قولِه: (بحر الرجَز)
لاهُمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فأَنْزِلَنْ سَكينةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقدامَ إن لَاقَيْنَا