الصفحة 104 من 118

و"أنَّ"وَصِلَتُها: إمَّا على تقديرِ الباءِ وهو الأَصْلُ، مثلُ: {أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} , {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} ، وإمَّا سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولينِ على تَضمينِ أَنْبَأَ ونَبَّأَ معنى أَعْلَمُ أو أَرَى.

والوعْدُ في الخيرِ، والإيعادُ في الشرِّ، ولهذا قالَ بعضُ فُصَحَاءِ العَرَبِ في دُعائِه: يا مَن إذا وَعَدَ وَفَى، وإذا أَوْعَدَ عَفَا، وقالَ الشاعِرُ: (البحر الطويل)

وإني وإنْ أَوْعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفٌ إِيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي

وما أَحسَنَ قولَ ابنِ الفارِضِ رَحِمَه اللهُ تعالى: (البحر الطويل)

متى أَوْعَدَتْ أَوْلَتْ وإن وَعَدَتْ لَوَتْ ... وإن أَقسَمَتْ لا تُبْرِئُ السُّقْمَ بَرَّتْ

وإنما يُستعمَلُ وَعْدٌ في الشَّرِّ مُقَيَّدًا كقولِه تعالى: {النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} .

وفي البيتِ إعادةُ ذِكْرِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإظهارِ التضخيمِ والتعظيمِ، ولهذا أَتَى بِ"عِنْدَ"، ولم يَأْتِ بِـ"مِنْ"؛ لأنَّ"عندَ"أَدَلُّ على التضخيمِ ولِتقويةِ الرجاءِ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ وتَواتَرَ أنَّ الصَّفْحَ مِن أخلاقِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه لا يَجْزِي بالسَّيِّئَةِ، ولكن يَعْفُو ويَغْفِرُ، ففي ذِكْرِ صَريحِ اسْمِه ما ليس في الضميرِ، ولأنَّ فيه تَكرارَ الاعترافِ بالرسالةِ الذي هو مُقْتَضٍ للعَفْوِ، ومُستَجْلِبٌ للرِّضَى، ويُذْكَرُ أنه عليه الصلاةُ والسلامُ لَمَّا سَمِعَ هذا البيتَ، قالَ: العفوُ عندَ اللهِ.

ثم قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:

39 -مَهْلًا هَدَاكَ الذي أَعطاكَ نَافِلَةَ ... القُرآنِ فيها مَواعيظٌ وتَفْصِيلُ

هذا البيتُ وما بعدَه تَتميمٌ للاستعطافِ، والاستعطافُ فيه مِن جِهاتٍ:

أحدُها: ما اشْتَمَلَ عليه مِن طَلَبِ الرِّفْقِ به، والأناةِ في أَمْرِه، بقولِه: مَهْلًا، وأَصْلُه: إِمهالًا، وهو مَصْدَرٌ أُنيبَ عن فِعْلِه، وحُذِفَ زائداه الهمزةُ والألِفُ.

والثاني: الدُّعاءُ في قولِه: هَداكَ الذي، فإنه خبرٌ لَفْظًا، ودُعاءٌ معنًى، ومِثْلُه: غَفَرَ اللهُ لك، +++وصَلَّى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مُحَمَّدٍ، وهو أَبْلَغُ مِن صِيغةِ الطلَبِ.

والثالثُ: التذكيرُ بنِعمةِ اللهِ تعالى عليه ليكونَ ذلك أَدْعَى إلى العَفْوِ شُكْرًا للنِّعمةِ، ووَجْهُ اشتمالِه على التذكيرِ بالنعمةِ أَمرانِ:

أحدُهما: أنَّ مَعنى"هداكَ"زادَكَ هُدًى، فاقْتَضَى ذلك هُدًى سابِقًا، وطَلَبَ هُدًى مُتَجَدِّدٍ.

والثاني: أنَّ في قولِه:"نافِلَةَ القُرآنِ"إشارةً إلى أنَّ اللهَ تعالى أَنْعَمَ على رسولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بعُلومٍ عَظيمةٍ عَلَّمَه إيَّاهَا، وجَعَلَ الكتابَ زِيادةً له على تلك العُلومِ، وهذا أَحْسَنُ ما يَظهَرُ في تفسيرِ قولِه تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} أي: زيادةً على العِلْمِ الذي أَحْسَنَه، أي: أَتْقَنَ مَعرِفَتَه، والذي دَلَّ على إِرادتِه ذلك قولُه:"نافِلَةَ"إذ النافِلَةُ: العَطِيَّةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت