فهرس الكتاب
أَتَعْرِفُ شيئًا في السماءِ يَطيرُ ... إذا سارَ صاحَ الناسُ حيث يَسيرُ
فتَلقاهُ مَركوبًا وتَلقاهُ راكبًا ... وكلُّ أَميرٍ يَعتليهِ أَسِيرُ
يَحُضُّ على التقوى ويُكْرَهُ قُرْبُهُ ... وتَنْفِرُ منه النفْسُ وهْوَ نَذيرُ
ولم يُسْتَزَرْ عن رَغبةٍ في زيارةٍ ... ولكنْ على رَغمِ الْمَزُورِ يَزورُ
الثاني: الحالةُ، وعليه حَمَلَ التِّبريزيُّ وغيرُه هذا البيتَ، والآلةُ والحالةُ مُتقارِبانِ أَحْرُفًا، مُتَمَاثِلان وَزْنًا ومَعْنًى، قالَ: (البحر الرجَز) .
قد أَرْكَبُ الآلةَ بعدَ الآلَهْ ... وأَتْرُكُ العاجِزَ بالْجدالَهْ
الثالثُ: الأداةُ التي يُعْمَلُ بها.
والْحَدباءُ: تأنيثُ الأَحْدَبِ، ومعناها هنا: قيلَ: الصعْبَةُ، وقيلَ: المرْتَفِعَةُ، ومنه الْحَدَبُ مِن الأرضِ، وقيلَ: إنه مِن قولِهم: ناقةٌ حَدباءُ، إذا بَدَتْ حَرَاقِيفُها؛ لأنَّ الآلةَ التي يُحْمَلُ عليها تُشْبِهُ الناقةَ الْحَدباءَ في ذلك، وأَصْلُ الْحَدَبِ الْمَيْلُ، ومنه قولُهم لِمَن عَطَفَ على شَخْصٍ: حَدِبَ عليه بكَسْرِ الدالِ، أي: مالَ إليه، وانْخَفَضَ له، والظرفانِ مَعمولانِ لِخَبَرِ"كلُّ"، ورُبَّمَا يَسْبِقُ إلى الخاطِرِ تَعَلُّقُ"يومًا"بـ"طَالَتْ"، وهو فاسِدٌ في المعنى، وما بينَ المبتدأِ والخبَرِ مُعْتَرِضٌ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ سَدَّ مَسَدَّهُ خَبَرُ ما قَبْلَه، ومِثلُه قولُه تعالى: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} .
والواوُ مِن قولِه:"وإنَّ"قالَ جَماعةٌ: واوُ الحالِ، والصوابُ أنها عاطِفَةٌ على حالٍ مَحذوفةٍ مَعمولةٍ للخَبَرِ، والتقديرُ مُحْتَمِلٌ لوَجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ الأصْلُ مَحمولًا على آلَةٍ حَدباءَ على كلِّ حالٍ , وإن طالَتْ سَلامَتُه، فيكونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ.
والثاني: أن يكونَ الأَصْلُ إن قَصُرَتْ مُدَّةُ سَلامتِه وإن طالَتْ، كما تقولُ: آتِيكَ إن أَتَيْتَنِي وإن لم تأتِ. ويَجوزُ للجُملةِ الشرطِيَّةِ أن تَقَعَ حالًا إذا شُرِطَ فيها شَرطٌ ونَقيضُه، نحوَ: لأَضْرِبَنَّه إنْ ذَهَبَ وإن مَكَثَ، والذي سَوَّغَ حَذْفَ الشرطِيَّةِ الأُولَى، أنَّ الثانيةَ أبدًا مُنافِيَةٌ لثُبوتِ الْحُكْمِ، والأُولَى مُناسِبَةٌ لثُبوتِه، فإذا أُثْبِتَ الْحُكْمُ على تقديرِ وُجودِ الْمُنافِي، دَلَّ ثُبوتُه على تقديرِ الْمُناسِبِ مِن بابِ أَوْلَى، ودَلَّ هذا على ذلك الْمُقَدَّرِ، ومتى أُسْقِطَت الواوُ مِن هذا البيتِ ونحوِه فَسَدَ المعنى.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
38 -أُنْبِئْتُ أنَّ رَسولَ اللهِ أَوْعَدَنِي ... والعفْوُ عندَ رَسولِ اللهِ مَأْمُولُ
جَميعُ ما تَقَدَّمَ تَوْطِئَةٌ لهذا البيتِ؛ فإنَّ غَرَضَه مِن القَصيدةِ التنَصُّلُ والاستعطافُ.
ومعنى"أُنْبِئْتُ": أُخْبِرْتُ خَبرًا صادِقًا، ويُرْوَى:"نُبِّئْتُ"وهو بمعناهُ، وتَرَكَ ذِكْرَ الفاعِلِ هنا لأمرينِ:
أحدُهما: أنه لا يَتَعَلَّقُ بتَعيينِه غَرَضٌ، ومِثلُه قولُه تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا} , {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا} , {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ} .
والثاني: أنَّ مَقامَ الاستعطافِ يُناسِبُهُ أن لا يُحَقَّقَ الخبرُ بالوعيدِ، بل أنْ يُؤْتَى به مُمَرَّضًا، كما يُقالُ: رُوِيَ كذا.