الصفحة 102 من 118

بالْمُضافِ، هذا قولُ سِيبويهِ والجمهورِ، ويُشْكِلُ عليه قولُهم: لا أَبَا لِي، ولا يَجوزُ أن تُعْرَبَ الأسماءُ الستَّةُ بالأَحْرُفِ إذا كانتْ مُضافةً للياءِ، وذَهَبَ هشامٌ وابنُ كَيْسَانَ وابنُ مالِكٍ إلى أنَّ اللامَ غيرُ زائدةٍ، وأنها ومَصحوبَها صِفةٌ للأبِ، فتَتَعَلَّقُ بكونٍ مَحذوفٍ منصوبٍ أو مَرفوعٍ، وأنهم نَزَّلُوا الموصوفَ مَنْزِلَةَ الْمُضافِ لطُولِه بصِفَتِه، ولِمُشارَكَتِه للمُضافِ في أَصْلِ مَعناهُ، إذ معنى أَبوكَ: وأبٌ لك شيءٌ واحدٌ، ويُشْكِلُ عليه أنَّ الأسماءَ الستَّةَ لا تُعْرَبُ بالحروفِ إلا إذا كانتْ مُضافةً، وأنهم يَقولونَ: لا غُلامِي له، يَحذِفونَ النونَ، ويُجابُ عنهما بأنَّ شَبيهَ الشيءِ جارٍ مَجراهُ، وعلى القولينِ فيَحتاجُ إلى تقديرِ الْخَبَرِ، وذَهَبَ الفارسيُّ وابنُ يَسعونَ وابنُ الطَّرَاوَةِ إلى أنَّ اللامَ غيرُ زائدةٍ، وأنها ومَجرورَها خَبَرٌ، فيَتَعَلَّقُ بكونٍ محذوفٍ مرفوعٍ، وأنَّ اسمَ"لا"مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ، ولكنه جاءَ على لُغةِ مَن يَقولُ:

إنَّ أباها وأبَا أَباها ...

ويَرُدُّه أَمرانِ: أحدُهما: أنَّ الذي يقولُ: جاءني أباك. بعضُ العربِ، والذي يقولُ: لا أبا لزيدٍ. جميعُ العربِ.

والثاني: قولُهم لا غُلامِي له بحَذْفِ النونِ.

واعْلَمْ أنَّ قولَهم: لا أبَا له: كلامٌ يُستعمَلُ كِنايةً عن الْمَدْحِ والذمِّ، ووَجْهُ الأَوَّلِ أنْ يُرادَ نَفْيُ نَظيرِ الممدوحِ بنَفْيِ أبيهِ، ووَجْهُ الثاني أن يُرادَ به أنه مَجهولُ النَّسَبِ، والْمَعنيانِ مُحتَمَلانِ هنا، أمَّا الثاني فوَاضِحٌ؛ لأنَّهم لَمَّا لم يُغْنُوا عنه شيئًا أَمَرَهم بتَخليةِ سَبيلِه، ذَامًّا لهم، وأمَّا الأوَّلُ فعَلَى وَجهِ الاستهزاءِ.

وقولُه: فكلُّ: الفاءُ للتعليلِ، والْمُعَلَّلُ الأَمْرُ، وما بينَهما اعتراضٌ، و"ما"بمعنى شيءٍ، أو بمعنى الذي، وعائدُ الصِّلَةِ أو الصفةِ مَحذوفٌ، وهو مَفعولُ"قَدَّرَ".

و"الرحمنُ": معناه الواسِعُ الرحمةِ، وهل هو صِفةٌ غالِبَةٌ مُلْتَحِقَةٌ بالأعلامِ كالدَّبْرانِ والعُيوقِ، أو صِفةٌ مَحْضَةٌ كالغَضبانِ؟ الأَوَّلُ: اختيارُ الأَعْلَمِ، وابنِ مالِكٍ، وعليه فهو في البَسملةِ بَدَلٌ، والرحيمُ صِفَةٌ له , أي: للرحمنِ , لا صِفةٌ لِلَّهِ؛ لأنَّه لا يَتَقَدَّمُ البَدَلُ على النَّعْتِ.

والثاني: قولُ الجمهورِ وعليه فهو والرحيمُ صِفتانِ، وحينئذٍ يَصِحُّ إيرادُ السؤالِ الْمَشهورِ، وهو أن يُقالَ: لِمَ بُدِئَ بالوَصْفِ الأَبْلَغِ، وإنما المألوفُ أن يُخْتَمَ به؟ فيُقالُ: عالِمٌ نِحريرٌ، وشُجاعٌ باسِلٌ، وجَوَادٌ فَيَّاضٌ، ولذلك أَجْوِبَةٌ مَذكورةٌ في مَوْضِعِها.

قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:

37 -كلُّ ابنِ أُنْثَى وإن طَالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْمًا على آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحمولُ

يقولُ: إذا كان كلُّ مَن وَلَدَتْه أُنثى وإن عاشَ زَمَنًا طويلًا سالِمًا مِن النوائبِ، فلا بُدَّ له مِن الموتِ، فمِمَّ الْجَزَعُ يا نَفْسُ وبما تَفرَحونَ أيُّها الشامِتونَ؟! ومنه:

فقُلْ للشَّامتينَ بنا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشامِتونَ كما لَقِينَا

وللآلةِ ثلاثةُ مَعانٍ:

أحدُها: النَّعْشُ ذَكَرَه الجوهريُّ، وأَنْشَدَ عليه هذا البيتَ، وما أَحْسَنَ قولَ الشاطِبِيِّ رَضِيَ اللهُ عنه مُلْغِزًا: (البحر الطويل)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت