فهرس الكتاب
وتَغافَلْ ـ وكان ابنُ الزُّبيرِ إذا سَمِعَ المؤَذِّنَ لَهَى عن كُلِّ ما بحَضْرَتِه ـ فإذا أَرَدْتَ تَعْدِيَتَه أَدْخَلْتَ عليه هَمزةَ النقلِ، فقلتَ: أَلْهَيْتُه عنه، أي: شَغَلْتَه عنه، ومنه قولُه تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} .
ومشغولُ: اسمُ مفعولٍ مِن شَغَلَه يَشْغَلُه بالفَتْحِ فيهما , لأجْلِ حرْفِ الْحَلْقِ، وعنك: مُتَعَلِّقٌ به، وإن ومَعْمُولاها: إمَّا بَدَلٌ مِن"لا أُلْهِيَنَّكَ"كقولِه تعالى: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} , وقولِ الشاعِرِ:
أَقُولُ له ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا.
وإمَّا في مَوْضِعِ التعليلِ، فإن كان على طريقةِ الاستئنافِ كُسِرَتْ إن، كما في وَجْهِ الإبدالِ، وإن كان على إضمارِ اللامِ فُتِحَتْ، وقد مَضَى هذا مَشروحًا في شَرْحِ قولِه:
إنَّ الأمانِيَّ والأحلامَ تَضليلُ.
قالَ رَحِمَه اللهُ:
36 -فقُلْتُ خَلُّوا سَبِيلِي لا أَبَا لَكُمُ ... فكُلُّ مَا قَدَّرَ الرحمنُ مَفعولُ
لَمَّا يَئِسَ مِن نُصرَةِ أَخِلَّائِهِ، أَمَرَهم أن يُخَلُّوا طَريقَه، ولا يَحْبِسُوهُ عن الْمُثولِ بينَ يَدَيِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليُمْضِيَ فيه حُكْمَه؛ فإنَّ نَفْسَه قد أَيْقَنَتْ أنَّ كلَّ شيءٍ قَدَّرَه اللهُ تعالى فهو وَاقِعٌ.
"وخَلُّوا": أَمْرٌ مِن التخليةِ وهِي التَّرْكُ.
والسبيلُ والطريقُ مُتَّفِقانِ في المعنى، وفي الوَزْنِ، وفي الجمْعِ على فُعُلٍ، وفي جَوازِ تَخفيفِ عينِ الجمْعِ بالإسكانِ، والصراطُ مِثْلُها إلا في الوَزْنِ، ويَجوزُ في الثلاثةِ التذكيرُ والتأنيثُ، ومِن أَدِلَّةِ تأنيثِ السبيلِ قولُه تعالى: (( وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) )في قِراءةِ ابْنَيْ كَثيرٍ وعامرٍ، وأبي عمرٍو وحَفْصٍ بتأنيثِ الفِعلِ، وبرَفْعِ السبيلِ، أمَّا استدلالُ كثيرٍ مِن أهلِ اللغةِ والتفسيرِ بقولِه تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} فغَلَطٌ؛ لأنَّ الْمُرادَ هذه الطريقةُ التي أنا عليها سَبيلِي، وليستِ الإشارةُ للسبيلِ، ولو صَحَّ هذا الاستدلالُ، لصَحَّ الاستدلالُ على أنَّ الرحمةَ مُذَكَّرَةٌ بقولِه تعالى: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} , ومِن أَدِلَّةِ التذكيرِ: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} , ولا دليلَ في قِراءةِ أبي بَكرٍ والأخوينِ: لِيَسْتَبِينَ بالتذكيرِ، (سَبيلُ) بالرفْعِ؛ لأنَّ التأنيثَ المجازيَّ يَجوزُ معه تَذكيرُ الفعلِ الْمُسْنَدِ إلى ظاهِرِه.
وقولُه:"لا أَبَا لَكُمُ" (1) "لا"النافِيَةُ للجِنْسِ، وأبا اسْمُها، وهو مُعَرَّفٌ، والكافُ والميمُ مُضافٌ إليه، واللامُ زائدةٌ لتأكيدِ مَعْنَى الإضافةِ، فلا تَتَعَلَّقُ بشيءٍ، وأُقْحِمَتْ بينَ الْمُتضايِفَيْنِ، هنا، كما أُقْحِمَتْ بينَهما في قولِ: (البحر الكامل)
يا بُؤْسَ للحربِ التي وَضَعَتْ ... أراهطَ فاسْتَرَاحُوا
وهي مُعْتَدٌّ بها مِن وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، أمَّا وَجْهُ الاعتدادِ: فإنَّ اسمَ"لا"لا يُضافُ إلى الْمَعرِفَةِ فهذه اللامُ مُزيلةٌ لصُورةِ الإضافةِ، وأمَّا وَجهُ عَدَمِ الاعتدادِ: فهو أنَّ ما قَبْلَها مُعْرَبٌ بدليلِ ثُبوتِ الألِفِ، وإنما يُعْرَبُ اسمُ"لا"إذا كان مُضافًا، أو شَبيهًا