الصفحة 100 من 118

قالَ:

35 -وقالَ كلُّ خليلٍ كنتُ آمُلُهُ ... لا أُلْهِيَنَّكَ إني عَنْكَ مَشغولُ

لَمَّا سَمِعَ: بهذا الوَعيدِ الْتَجَأَ إلى إخوانِه الذين كان يَرْجُوهُمْ ويُؤَمِّلُهم، فتَبَرَّؤُوا منه؛ يَأْسًا مِن سَلامتِه، وخَوْفًا مِن غَضَبِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وكَلمةُ"كلُّ"هنا للمُبالَغَةِ، كما تَقولُ: أَعْرَضَ الناسُ كُلُّهُم عن فُلانٍ، ومِثلُه قولُه تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} .

وكان ومَعْمُولاها صِفةٌ لِخَلِيلٍ، فمَوضِعُها خَفْضٌ، أو لِكُلٍّ فمَوضِعُها رَفْعٌ، والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ كُلًّا إنما تَدْخُلُ لإفادةِ العُمومِ والْمُسْنَدُ إليه بالحقيقةِ مَخفوضُها، ومِن ثَمَّ كان ضَعيفًا قولُه: (البحر الوافر)

وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أَخوهُ ... لعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرقدان

مِن وَجهينِ:

أحدُهما: استعمالُ"إلا"صفةً مع إمكانِ الاستثناءِ، وإنما يَحْسُنُ ذلك عندَ تَعَذُّرِه، كقولِه تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} , وقولِهم: لو كان معنا رجلٌ إلا زيدٌ لغُلِبْنَا، إذ الاستثناءُ مِن النَّكِرَةِ إنما يَجوزُ إذا كانت عددًا نحوَ: له عندي عَشرةٌ إلا واحدًا، أو مَوصوفةً بصفةٍ تُفيدُ التعيينَ، نحوَ: جاءني رجالٌ جاؤوك إلا واحدًا منهم، أو كانتْ في غيرِ الإيجابِ، نحوَ: ما جاءَني رَجُلٌ إلا زيدًا، ولا يَجوزُ فيما عدا ذلك، لا يُقالُ: جاءني رجالٌ إلا زيدًا، ولا جاءني رجُلٌ إلا عَمْرًا.

والثاني: أنه وَصَفَ كُلًّا، وكان حَقُّه أن يَصِفَ مَخفوضَها؛ لأنَّه المقصودُ.

والخليلُ فَعيلٌ مِن الْخُلَّةِ بالضمِّ، وهي الصداقةُ، ويكونُ الخليلُ بمعنى الفقيرِ، مِن الْخَلَّةِ بالفتْحِ، وهي الحاجةُ، وفي ذلك يقولُ زُهَيْرٌ: (البحر البسيط)

وإنْ أتاه خَليلٌ يومَ مَسألةٍ ... يَقولُ لا غائبٌ مالِي ولا حُرُمُ

وجَوَّزُوا ذلك في قولِهم في حقِّ أَبينَا إبراهيمَ عليه الصلاةُ والسلامُ: خليلُ اللهِ، أن يكونَ بمعنى فقيرِ اللهِ.

وقولُه:"آمُلُه"أي: أُؤَمِّلُ خَيْرَه، أو مَعونتَه؛ لأنَّ الذواتِ لا تُؤَمَّلُ.

وقولُه:"لا أُلْهِيَنَّكَ": الجملةُ بنَصْبٍ بالقولِ، ولا نافيةٌ فالتوكيدُ بالنونِ ضَرورةٌ، أو جائزٌ في النَّثْرِ على الْخِلافِ الْمُتَقَدِّمِ، بخِلافِ التوكيدِ بعدَ"لا"الناهيةِ فإنه قِياسٌ، ويَجوزُ كونُ"لا"ناهيةً على حَدِّ قولِهم: لا أُرَيَنَّكَ ها هنا، فالتوكيدُ مِثلُه في قولِه:

فلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ.

وقد مَضَى شَرْحُه.

ومعنى لا أُلْهِيَنَّكَ: لا أُشْغِلَنَّكَ عمَّا أنتَ فيه بأن أُسَهِّلَه عليك، وأُسَلِّيَكَ، فاعمَلْ لنفْسِك، فإني لا أُغْنِي عنك شيئًا، يُقالُ: لَهِيتُ عنه أَلْهَى، مِثلَ خَشِيتُ أَخْشَى، إذا تَشَاغَلْتَ عنه بغيرِه، وفي الحديثِ: (( إِذَا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِشَيْءٍ فَالْهَ عَنْهُ ) ). أي: تَشاغَلْ عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت